جلسة الحوار الأميركي الإيراني شكلت عملية كسر جليد بين الطرفين بعد 27 عاماً من غياب هذا النوع من الاتصال الرسمي والمباشر والعلني. حوار تم (تخفيف) أهميته من خلال وضعه في إطار عراقي بحت: في العراق وحول العراق وبرعاية رئيس حكومة العراق وكتجاوب مع طلب عراقي لإقامة هذا الحوار.

ملاحظات أساسية حاملة لمؤشرات حول العوامل التي تحيط بهذا الحوار يمكن إدراجها كما يلي: ـ أعلنت واشنطن عشية الحوار عن حل «مجموعة السياسة والعمليات لإيران وسوريا« التي كانت قد شكلتها العام الماضي والتي تهدف إلى المساهمة في تغيير النظامين وهو عنوان كبير وغير واقعي ولكنه ينسجم كما انه يعبر عن السياسة (العقائدية) للإدارة الأميركية بشكل عام ولو انه تراجع بالفعل ومع الوقت وصار أكثر واقعية. تراجع من (تغيير النظام) إلى تغيير (سلوكية النظام).

جاء هذا التوقيت كإشارة ايجابية رمزية عشية المحادثات الإيرانية الأميركية ولو انه جرى تسريب خبر في الوقت ذاته عن توجيه أميركي رئاسي إلى وكالة الاستخبارات المركزية للقيام بأعمال تهدف إلى الضغط على النظام في إيران. الحوار يعلن عن قبول أميركي متأخر بعض الشيء لتوصيات لجنة بيكر هاملتون.

ـ بعد أن كان علي لاريجاني المسؤول عن الملف النووي وسكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران قد أعلن عن تكليف سفير إيران في الأمم المتحدة برئاسة وفد المفاوضات حصل تغيير من قبل الرئيس الإيراني لهذا التكليف وقرر الرئيس تكليف السفير الإيراني في العراق برئاسة الوفد.

اختيار الرئيس دليل على طبيعة جدول الأعمال باعتبار أن وجود السفير في نيويورك يعني اتجاها للبحث في كافة الملفات في العلاقات بين الطرفين وضمنها بالطبع الملف النووي الذي هو إحدى أمهات المسائل في الأمم المتحدة، تكليف السفير في بغداد تأكيد على حصر المحادثات بالشأن العراقي. وقد التقى عمليا موقف الطرف الإيراني المتشدد مع موقف واشنطن التي أرادت عبر تصريحات عديدة لمسؤولين أميركيين عشية المحادثات التأكيد بأن الملف الوحيد المطروح على الطاولة هو الملف العراقي.

فواشنطن أيضاً لا تريد إعطاء شرعية للموقف الإيراني بشأن الملف النووي من خلال البحث بهذا الأمر متمسكة بشرطها التعجيزي والقائم على ضرورة تعليق إيران لعملية تخصيب اليورانيوم قبل البحث في هذا الأمر.

ـ شكل اللقاء لحظة توافق عند الطرفين حول مخاطر الانحدار السريع نحو الهاوية الذي يعيشه العراق وانتشار الحرب الأهلية أيا كانت المحاولات لنفي ذلك وتقديم صورة مغايرة للوضع العراقي. حدود الصدام بين الطرفين قوامها انفجار العراق من خلال الوصول إلى نقطة اللاعودة الأمر الذي يؤدي إلى خسارة جسيمة وكارثية لكل من واشنطن وطهران أيا كان الخلاف والتعارض في المصالح وفي الرؤى بين الطرفين.

طهران ترتاح لغرق واشنطن في مستنقع العراق ولحصول فيتنام جديدة بالنسبة لواشنطن ولكن هنالك حدودا للدفع بهذا الاتجاه إذ أيضاً قد تقلب واشنطن الطاولة فيما لو انسحبت لعدم استطاعتها الاستمرار في تحمل الخسارة محولة بذلك فيتنامها إلى فيتنام إيرانية ولو بطبيعة مختلفة ولكن بنتائج خطيرة أيضاً بالنسبة لإيران.

ـ هنالك أيضاً أزمة داخلية عند كل من الطرفين: أزمة في واشنطن تعبر عنها حالة الارتباك والاضطراب في كيفية التعامل مع الملف العراقي وازدياد الانقسام في واشنطن حول هذا الأمر مع ازدياد الانتقاد للإدارة الأميركية في كيفية إدارتها للملف العراقي. الشيء ذاته يصح قوله حول طهران وحول تزايد الخلافات في كيفية إدارة الملف النووي كان من آخر مظاهرها تقديم علي لاريجاني استقالته ثم رفض هذه الاستقالة من المرشد الأعلى خامنئي إلى جانب الشعور بالثمن الباهظ لسياسة العقوبات الاقتصادية وتأثير ذلك على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى الوضع المعيشي الإيراني.

ـ تغير الأوضاع السياسية على المسرح العراقي من خلال بروز مؤشرات لتغيرات ولو بطيئة في بعض التحالفات وفي التوجهات لعدد من الأطراف الرئيسية العراقية إلى جانب بعض التحول في السياسة الأميركية لإعادة أحداث توازن مذهبي في العراق مقابل أيضاً مخاوف إيرانية من خسارة بعض الأوراق التقليدية في العراق أو ضعف الإمساك بها ومن خلال تبلور صورة سلبية لها بسبب سياستها العراقية خارج العراق مع ما يحمله ذلك من تداعيات سيئة للمكانة وللدور الإيراني على الصعيد الإقليمي.

فكانت هنالك حاجة عند الطرفين للتلاقي بعد تلاشي الحياد الايجابي الذي طبع سلوكية كل طرف تجاه الطرف الآخر في العراق والذي قام على تفاهم صامت ولكنه هش ومعرض كما ظهر للانهيار مع تطور الأوضاع في العراق وسقوط الخطر المشترك الذي كان يمثله النظام السابق.

فهنالك حاجة للبحث عن تفاهم جديد يسمح للطرفين باستكمال رحلة العبور عبر الحالة العراقية الخطيرة إلى شاطئ الأمان ولو أن كل منهما قد يجد الخروج على ضفة مختلفة، ولو أنهما أيضاً متفقان على أن الهدف الأساسي هو استقرار وامن العراق ووحدته باعتبار أن سقوط إحدى هذه العناوين يحمل ضررا مباشرا وغير مباشر على دور وموقع كل من الطرفين في الخليج وفي الشرق الأوسط.

لكن لا يكفي التمسك بالأهداف العامة لبلورة سياسات متوازية أو غير متصادمة وإيجاد مصالح متقاطعة في الشأن العراقي طالما أن هنالك تناقضا وتضاربا في الرؤية وفي الأولويات الاستراتيجية في المنطقة بشكل عام وفي قدرة كل طرف على الإمساك بالورقة العراقية عندما تتحول إلى ورقة في لعبة الأمم بعد استقرار العراق، باعتبار أن تلك الورقة أساسية في حماية وتعزيز الموقع والمكانة والدور في منطقة ذات أهمية استراتيجية حيوية بالنسبة للطرفين.

ـ أوجد اللقاء دينامية للتواصل الحواري ولو أن كلا من الطرفين سيستمر دون شك حفاظا على ماء الوجه من جهة وعلى تماسك خطابيه العقائدي والسياسي تجاه الآخر في إعلان المواقف المتشددة تجاه الآخر حفاظا أيضاً على مخرج فيما لو لم تنجح محاولات إعادة بناء تفاهم صامت بين الطرفين في العراق هذا من جهة ولكن بقدر ما أن الخطر العراقي داهم ومتزايد وبقدر ما أن كل طرف يتوصل مع الوقت إلى قناعة بعدم قدرته على إخراج الطرف الآخر من موقعه الأساسي في العراق بقدر ما أن هذا الوضع سيدفع باتجاه بلورة تفاهم جديد بين الطرفين ولو في الحد الأدنى الممكن.

ذلك دون شك قد يفرض ذاته ايجابيا على الملفات الإقليمية الأخرى. والسؤال الذي يبقى قائما في ظل القيود وتضارب المواقف الداخلية عند كل طرف وفي ظل وجود استراتيجية شرق أوسطية كبرى عند كل منهما إلى أي مدى سيؤثر الخطر العراقي المشترك، خطر الغرق الكلي في المستنقع العراقي، على علاقاتهما في الملفات الأخرى في المنطقة صداما أم انفراجا، تعاونا أم تهدئة والى أي مدى يمكن حماية تفاهم الحد الأدنى في العراق الضروري لكل من الطرفين من تداعيات تضارب المصالح وتنافسها في الملفات الأخرى.

خلاصة الأمر ان ما هو حاصل في العراق هو صراع بين القوة الأميركية العسكرية أساسا والنفوذ الإيراني المتنوع في العراق. صراع يعكس حالة المواجهة بين اللاعبين الأساسيين في الشرق الأوسط وحول مستقبل الشرق الأوسط عبر البوابة العراقية.

كاتب لبناني