لا شك أن أي خطوة تنقذ العالم من شبح حرب جديدة تخيم على منطقة الخليج يدفع إليها اليمين الصهيوني الأميركي الحاكم لحسم الخلاف مع إيران هو أمر في مصلحة دول الخليج وكل الدول العربية التي ستكون هي المتضررة الأكبر من مثل هذه الحرب إذا وقعت، ومن هنا ينبغي النظر بإيجابية إلى أي خطوة على طريق الحوار بين الطرفين الأميركي والإيراني، والذي بدأ بخجل في مؤتمر شرم الشيخ،

ثم بدأت خطواته العملية في الأسبوع الماضي بمباحثات بغداد التي اكتسبت أهمية كبيرة حتى وإن تمت على مستوى السفراء، والتي ربما تفتح أبواباً كانت مغلقة منذ سقوط نظام الشاه وتحول أميركا بعد ذلك من الراعي الأكبر للنظام الإيراني إلى «الشيطان الأكبر «من ناحية، وتحول إيران من الحليف الأقوى لأميركا في المنطقة إلى طرف أساسي في «محور الشر» الذي أعلنت واشنطن الحرب عليه.

ولا شك أن الجانبين استعدا جيداً لهذا اللقاء. فمن ناحيتها واصلت أميركا حشد أساطيلها في مياه الخليج، في مظاهرة تطلق بها رسالة واضحة لطهران بأن استخدام القوة غير مستبعد. وحسمت الإدارة الأميركية معركتها مع الكونغرس بالحصول على ما طلبته من تمويل لحربها في العراق وأفغانستان دون التزام بموعد لعودة القوات الأميركية من هناك،

ثم تعمدت واشنطن تسريب أنباء عن موافقة الرئيس بوش على قيام وكالة المخابرات الأميركية بعمليات سرية بهدف زعزعة استقرار النظام الإيراني والعمل على إسقاطه، إضافة إلى تخريب المنشآت النووية الإيرانية. وفي نفس الوقت كانت الجهود الأميركية تمضي قدماً لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن بتشديد العقوبات الاقتصادية والحصار المالي على إيران لإجبارها على التخلي عن طموحها النووي.

على الطرف الآخر كانت طهران تحاول تعزيز موقفها واستغلال الأوراق التي تملكها وتضاعف من تحركها في كل الاتجاهات لمواجهة المخططات الأميركية وخاصة في المحيط العربي حيث كان فريق في الإدارة الأميركية يسعى لتحويل الصراع مع إيران إلى حرب بين السنة والشيعة يتم توريط الدول العربية فيها بحجة الوقوف في وجه المد الشيعي الذي تقوده طهران.

وفي هذا الإطار كانت جولة الرئيس الإيراني احمدي نجاد في دول الخليج، وكانت التصريحات الإيرانية الرسمية بالترحيب باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع مصر، بالإضافة إلى استمرار المحاولات لتنسيق المواقف مع السعودية.

وعلى الجبهة العراقية كانت طهران تعيد ترتيب أوراقها استعداداً لمرحلة مقبلة وحاسمة. وفي الوقت الذي كانت تؤكد تأييدها للحكومة العراقية الموالية لها في وجه الضغوط الأميركية لتحقيق مصالحة وطنية ومشاركة فعالة من طائفة السنة تفتح الباب لأوضاع أكثر استقرارا، كانت تشدد من قبضة حلفائها على الجنوب، وتسعى لتنظيم صفوفهم فتعيد مقتدى الصدر إلى بغداد حتى لا تترك الساحة خالية في ظل غياب عبد العزيز الحكيم الذي يعاني من أوضاع صحية متدهورة ويعالج من مرض السرطان في طهران.

وهكذا اجتمع ممثلو الدولتين في بغداد، كان اللقاء في مكتب رئيس الوزراء العراقي، ورغم الترحيب ـ من حيث المبدأ ـ بأي جهد يفتح الباب لتسوية سلمية تجنب المنطقة حرباً جديدة ومدمرة، فإن المشهد كان مليئاً بالتناقضات، فهذا رئيس وزراء دولة تحت الاحتلال يتحول إلى وسيط يجمع بين الدولة التي تحتل بلاده، والدولة التي تنازعها النفوذ وتهيمن ـ عن طريق حلفائها ـ على أجزاء هامة من بلاده،

وهذه هي الدولة الأعظم التي شنت حرباً غير مشروعة وغير أخلاقية دمرت فيها بلداً عربياً وأسلمته إلى الفوضى وفتحت أبوابه لعصابات الإرهاب، وحولته من عامل توازن في المنطقة إلى كارثة على المنطقة وعلى أميركا، وقتلت أكثر من ثلاثة أرباع المليون من مواطنيه، وشردت أربعة ملايين من أهله، ثم أسلمته بعد ذلك للنفوذ الإيراني وجلست في مكتب رئيس الوزراء العراقي تتفاوض مع «أعدائها» الإيرانيين على مستقبل العراق!

وهذه إيران التي خاضت حرباً ضروساً ضد العراق سلمت في نهايتها بالهزيمة، ووقف مؤسس الدولة الإسلامية الراحل الأمام الخميني يعلن انه يشعر كمن يتجرع السم وهو يقبل الهزيمة. فإذا ب«الشيطان الأعظم» الأميركي يحقق له المعجزة، فيغزو العراق ويقوم بتدميره وينفق خمسمئة مليار دولار حتى الآن، لكي تكون النهاية أن يستجدي من «العدو» الإيراني أن يضمن له انسحاباً مشرفاً من العراق المنكوب!

والذي لا شك في أن مباحثات بغداد ليست إلا الجزء الظاهر من مفاوضات طويلة ومتواصلة تتم عبر قنوات أخرى. وإذا كانت مباحثات بغداد قد اكتفت بالإعلان عن إيجابية المباحثات واستمرارها وتشكيل لجنة أمنية مشتركة حول العراق، فإن العديد من الأسئلة ستظل ـ في الوقت الحاضر ـ بلا إجابة قاطعة تتمحور كلها حول: هل نحن أمام مباحثات «إبراء الذمة «حتى يقول كل طرف، بعد ذلك انه فعل ما بوسعه لتفادي الصدام القادم، أم أننا أمام «الصفقة الكبرى» التي يعترف فيها كل طرف بمصالح الآخر وتقسيم معه النفوذ والمنافع؟

لكن سؤالاً آخر لا ننتظر إجابته كثيراً وهو من سيدفع ثمن الصدام إذا وقع، ومن يدفع ثمن الصفقة إذا تمت؟

أما «الصدام» فستدفع ثمنه أطراف عديدة منها إيران والولايات المتحدة نفسيهما ولكن أيضا سيدفع العرب نصيباً كبيراً.

وأما «الصفقة» فأظن أن العرب سوف يكونون ضحيتها الأولى إذا لم يستعدوا جيداً ويخرجوا من حالة العجز والتي تهدد بالفعل بأن يكون العراق هو «النموذج» الذي يجري تعميمه على العالم العربي، ليس في «الديمقراطية» كما وعدت أميركا، بل في التشرذم والتقسيم والحروب الأهلية، ثم الارتهان للنفوذ الخارجي وتقسيم نفوذ القوى الإقليمية والعالمية على الأرض العربية.

المشهد في مباحثات بغداد كان مليئاً بالدلالات، حين يجتمع ممثلو أميركا وإيران ليحددوا مستقبل العراق، بينما العرب غائبون يراقبون المشهد من بعيد ويكتفون بالدعاء للعراق المنكوب وينتظرون المعجزة التي تنجيه، وتنجيهم!

لكن المشهد لا يكتمل إلا إذا مددنا النظر لتطور، مهم آخر ترافق مع محادثات بغداد، حين بعث علي لاريجاني سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني برسالته الهامة إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حول الوضع في لبنان وليس في العراق!! في محاولة لاستغلال العلاقة «التاريخية» بين باريس وبيروت، واللعب على رغبة فرنسية في التواجد في المنطقة،

وذلك باقتراح وساطة فرنسية في أزمة الملف النووي. وليس هذا هو المهم لكن المهم هنا هو الطرح الإيراني لشراكه مع فرنسا في الملف اللبناني عبر «تعاون مثمر» من خلال مشروع من أربع نقاط يبدأ بالحديث عن محكمة في «إطار دولي» بدلا من محكمة دولية في إطار الفصل السابع، وينتهي بحل مشكلة سلاح حزب الله بضم عناصره في الجيش،

مع التأكيد على أن طهران أصبحت لاعباً رئيسياً في لبنان باقتراحه دعما فرنسياً ـ إيرانياً لمرشح إجماع للرئاسة اللبنانية!! وكأنها تقول إنها ستملأ الفراغ الذي تركه العرب في لبنان كما حدث في العراق، وكما سيحدث في أقطار عربية أخرى ربما لا يكون رؤساء حكوماتها مجبرين على القيام بما قام به نوري المالكي برعاية المباحثات بين ممثلي طهران وواشنطن على اقتسام النفوذ فيها، لكن النتائج ـ إذا لم يخرج العرب من عجزهم ـ لن تختلف كثيرا!

نقيب الصحافيين المصريين