لعلها المفارقة العجيبة الفريدة من نوعها في التاريخ السياسي العالمي أن يجلس سفير دولة عظمى بل سفير الدولة التي لا ترى نفسها إلا الدولة العظمى الوحيدة في العالم وهي أميركا إلى جانب سفير دولة «صغرى» يفترض أنها «مارقة» كانت حتى الأمس القريب قد صنفت من قبل رئيس الدولة العظمى المعنية ضمن «مثلث الشر» والتي تنتظر دورها في السقوط أولاً على يد أبطال نشر الديمقراطية في العالم.

ثم لتلتحق بالدولة الديمقراطية «المثال» أي العراق وهي الدولة التي زعمت الدولة العظمى أنها ستبنيها على أنقاض الدولة الاستبدادية السابقة والتي أطاحت بها بالمناسبة ليس بسبب استبدادها بل بذريعة خطرها على الأمن الدولي أولاً والأمن الإقليمي ثانياً والأمن الداخلي العراقي ثالثاً!.. لتطلب منها أي من الدولة «المارقة والشريرة» ماذا؟ تطلب منها المساعدة والمساندة في إعادة الأمن والاستقرار إلى الدولة المثال! بعد أن فشلت هي فشلاً ذريعاً في مهمتها المعلنة.

إن السفير رايان كروكر حاول في اجتماعه الثلاثي أن يلقي اللوم على دول الجوار بالطبع، وفي المقدمة منها إيران البتة في فشل أميركا في استتباب الأمن العراقي، وبما أنه محشور بالزمان وبضغط الرأي العام الأميركي وبالمنافسين لرئيسه من الحزب الديمقراطي وأيضاً من الرأي العام الداخلي العراقي الذي بدأ يضيق ذرعاً بالاحتلال وبالتالي لابد له مهما طال الزمن معه أن يعد حقائبه للرحيل لاعتبارات أميركية داخلية وعراقية باتت ملحة.

فإنه لم يكن يملك الكثير من أوراق المناورة في المفاوضات مع سفير دولة تعتبر الجارة الأهم للعراق أولاً والدائمة البقاء إلى جانبه كيفما تغيرت الأحوال ثانياً وغير المستعجلة على أي شيء في العراق بما فيه أمر انسحاب قوات الاحتلال منه ثالثاً والعميقة الترابط بالنسيج العراقي الداخلي رابعاً فإن السفير الإيراني حسن كاظمي قمي بالمقابل شعر انه «في بيته» بمعنى أنه تصرف وكأنه غير مستعجل على شيء حتى المطالبة برحيل قوات الاحتلال ناهيك عن امتلاكه لأغلب أوراق اللعبة الداخلية العراقي والإقليمية إضافة إلى تقاطع الكثير من وجهات نظر بلاده حول العراق مع وجهات النظر الدولية بل والأميركية الداخلية.

فإيران وإن لم تطرح ضرورة جدولة انسحاب المحتل وبشكل ملح باعتباره أم المشاكل لكنها طرحت ضرورة المشاركة الإقليمية الفعّالة في أي حل لعراق المستقبل، ما يعني ضرورة إشراك الحليفة سوريا ودول الجوار الخليجي وتركيا ومصر والجامعة العربية التي بدأت سلسلة مشاورات جدية معها حول أكثر من ملف إقليمي ساخن في مقدمته العراق، كما علم هنا وذلك أثناء اجتماعات مكثفة عقدها المسؤولون المعنيون بالملفات الإقليمية مع هشام يوسف الموفد الخاص لعمرو موسى إلى طهران قبل أيام، وأخيراً ضرورة إشراك كل الأطراف الدولية المعنية، ما يجعل الأحادية الأميركية التي اتبعت حتى الآن في معالجة الملف العراقي تتجه إلى مزيد من الانكفاء.

لقد كان لقاءً بارداً وجافاً بين خصمين غير متكافئين في المسرح الدولي الغلبة فيه ربما لأول مرة ل«الأصغر» والأطول بالاً! لقد أثبتت تجربة العراق أن الغلبة العسكرية لا تولد غلبة سياسية بالضرورة! وان فقدان الوضوح في الاستراتيجية يولد فراغاً، وبما أن الفراغ أمر لا يمكن أن يدوم ولا معنى له في المنطق فإن هذا الفراغ سرعان ما يملؤه خصمك مهما كان «صغيراً» ومهما أسهمت به والنتيجة ستكون التسليم ببعض ما كنت ترفضه عندما كنت في أوج صعودك! وهكذا كانت المفاوضات مع طهران أشبه بالعلقم الذي لابد منه لإدارة ظلت حتى آخر لحظة ترفض الإذعان لتناوله!

طهران من جهتها التي لم تحسن الظن يوماً بالأميركيين ولا يتعقد أحد أنها غيرت من نظرتها من اجتماع واحد تراها مستعجلة على أمر آخر تعتبره أكثر أهمية من الاجتماع بالأميركيين ألا وهو استثمار هذا الاجتماع في تحسين صورتها لدى أصدقاء أميركا التقليديين أو أصدقائها الجدد، فالأنباء التي تتردد في الأروقة الخلفية في طهران تتحدث عن تحضيرات تجري على قدم وساق لتأمين زيارة مفاجئة للرئيس أحمدي نجاد إلى مصر ربما حتى قبل إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة معها، أو في سياق مثل هذا الحدث الذي سيكون تاريخياً بكل المعايير والمستويات! هذا بالإضافة إلى التسريع في إعادة تفعيل المبادرة المشتركة مع المملكة العربية السعودية حول لبنان وأخيراً ربما القفز في الهواء باتجاه فرنسا ساركوزي البوشي الهوى سواء من الباب اللبناني أو من الباب النووي.

ليس من باب الأدب البروتوكولي أن يصر الإيرانيون على أن يكون اجتماعهم الأول مع الأميركيين في بغداد بالذات وبحضور المالكي تحديداً، فبالرغم من أنهم غير راضين على المالكي تماماً مثلهم مثل الأميركيين لكنهم أرادوا أن يبلغوا الأميركيين وبحضور المالكي شخصياً بأن الانقلاب على العملية السياسية وإسقاط المالكي بطريقة «غير ديمقراطية» كما كان يتردد بقوة قبل الاجتماع خط أحمر لن تقبل به طهران.

وهذه نقطة كافية لوحدها أن تحرج الأميركي الذي ظل يردد على امتداد السنوات الأربع الماضية بضرورة «تعميم الديمقراطية» في المنطقة ويجعله في الموقع الأضعف في المفاوضات أمام حليفه العراقي لاسيما إذا ما عرفنا أن الإيراني يفضل مرشحين آخرين على المالكي لكنه يناور به كورقة لا تزال رابحة أمام البعثي «المتلون» والمرشح المفضل لدى الأميركي رئيس الوزراء السابق إياد علاوي!

إنها مرة أخرى دبلوماسية حياكة السجاد التي تفاجئ الكاوبوي الأميركي المستعجل على إنجاز مهمة «الانسحاب المشرف» بأي ثمن كان!

ليست طهران وحدها هي اليوم من تتحدى وتتمرد على المارد الأميركي! سوريا لم تعد تبالي كثيراً بما يقوله عنها الأميركيون، بل وترد عليهم عندما ينتقدونها بجواب تهكمي ينم عن استخفاف واضح بالقول: «فلتهتم أميركا بما لديها من مشاكل» وكذلك بدأت تفعيل الكثير من الدول «الصغيرة» الأخرى التي صرنا نسمع منها مبادرات وإجراءات تنم عن استقلالية واضحة من القرار على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي وأمني!

وإذا كان هذا هو حال الدول الصغرى فعن الدول الكبرى، حدث ولا حرج من الصين وألمانيا وصولاً إلى روسيا التي باتت تهددها بحروب بادرة جديدة! فضلاً عن الحديث المتكرر عن احتمال أن «تتحول أوروبا إلى برميل بارود» إذا ما أصرت واشنطن على مشروعها للدرع الصاروخي! إنه زمن الصغار الذين يعرفون كيف ومتى يتم ملء الفراغ الاستراتيجي!

كاتب إيراني