احتدام القتال في مخيم نهر البارد، يشير إلى أن أزمة «فتح الإسلام» دخلت مرحلة الحسم. المواجهات تتعنف وتشتد التوغلات والاقتحامات الميدانية، بدأت ولأول مرة، تصبح الطابع الأبرز للعمليات العسكرية الجارية. والتقارير تتحدث عن «قتال شوارع» في بعض مناطق المخيم. ما ليس واضحا هو كيف وعلى ماذا قد ترسو هذه المعركة؛ ومتى يمكن أن تبلغ نهايتها؟ ثمة مخاوف عديدة ومشروعة، في هذا الخصوص.

وهذا أمر طبيعي. فالمشكلة معقدة ومتداخلة. مليئة بالألغام والمطبات. الخيارات فيها محدودة. وكلها مشحونة بالمخاطر والاحتمالات على شتى تلاوينها. وبالتالي فإن الحسم قد يعني أموراً كثيرة، الإيجابي منها والسلبي؛ العسكري منها والسلمي. فالنتائج مرهونة بعوامل كثيرة وبتطورات قد تكون من خارج الحسبان.

لكن مع كل ذلك فإن المؤكد حتى الآن، أن المواجهة وبالرغم من كل ما تختزنه من عناصر التفجير الواسع والخطير وما تنطوي عليه من تداعيات بالغة الخطورة؛ فإنها ـ أي المواجهة ـ قد تمكنت من اجتياز محطات واختبارات شديدة الحساسية، أهمها أن سكان المخيم من المدنيين بقوا والى حد بعيد، بمنأى عن حجم الأذى الذي كان يمكن أن يقع بهم. القسم الأكبر منهم قد غادر المخيم.

لم يبق، حسب التقديرات سوى حوالي 5 آلاف نسمة. هؤلاء وقعوا في وضع يشبه الرهينة مصيرهم يبقى مصدر قلق كبير خاصة وأن عملية سحبهم إلى الخارج متعثرة، وكذلك عملية تزويدهم بالاحتياجات اللازمة. الامتحان الثاني الذي عبرته هذه الأزمة بسلام، كان اجتناب حصول وقيعة لبنانية ـ فلسطينية؛ كان يخشى من وقوعها، منذ البداية.

الاستدراك اللبناني ـ الفلسطيني المشترك كان كفيلاً بإحباط هذا الهدف وتفويت الفرصة على الخطة؛ في هذا الصدد وهذا بحد ذاته يشكل مكسبا ـ إذا جاز التعبير ـ لناحية أن البديل كان كارثة ذات أبعاد أخطر بما لا يقاس بالوضع الراهن؛ على شراسته وما ينطوي عليه من تهديد واسع.

بالإضافة إلى ذلك هناك محظور آخر جرى تجاوزه ويتعلق بالساحة الفلسطينية نفسها، كان ثمة مخاوف من انتقال الصراع الدائر في غزة بين الفصائل، إلى المخيمات في لبنان، التباين الذي أخذ يلوح في المواقف الفلسطينية حول ما يجري في «البارد»؛ عزز الهواجس، في هذا الصدد. فالتوتر في غزة لا يزال قائما بين «فتح» و«حماس».

بعض التصريحات بشأن «البارد» عكست أجواء التأزيم هذه وإمكانية سحبها على ما يدور في لبنان. لكن مثل هذا الاقتتال بقي في حدود التوجس، واعتبارات كثيرة ساهمت في تحاشيه، لكن الأساس في عبور كل هذه المطبات وفي حصر المواجهة بين الجيش اللبناني و«فتح الإسلام» كان في الالتفاف اللبناني والفلسطيني حول الأول وفي الإدانة للثاني، هذا التلاقي، على قاعدة الوعي والإدراك لمخاطر اللحظة الراهنة.

كان الضمان الفعلي لتطويق الأزمة ولتقليل خسائرها نسبيا بل كان بمثابة التوكيد على أن حماية أمن لبنان هو في آن حماية لأمن المخيمات الفلسطينية والعكس بالعكس. وهي معادلة مطلوب صيانتها لمصلحة لبنان والشعب الفلسطيني.