أؤكد مرة أخرى على أنه في حالة الكتابة للرأي العام لا يجب أن يتوقع الكاتب أن يتفق معه الناس دائماً، من الطبيعي ألا يفعلوا، وذلك يجب ألا يغضب أحداً، ولذلك فحين أكتب عن خلل التركيبة أو قضية التوطين، فإنني أتوقع سلفاً أن يعارض البعض وأن يعترضوا وأن يثوروا أحياناً، ذلك حقهم ومن حقي أن أتمسك بما أدعو إليه طالما أنه لا يصب في جيبي، لكنه في مستقبل وطني، ما عدا ذلك فللقراء كل التقدير واختلاف الآراء لا تفسد للود قضية إلا في عالمنا العربي للأسف!
كتب لي أحد القراء يقول «. ولكوني متابعاً لما تكتبين أتمنى في همومك الأخرى ألا تقعي أسيرة الإقليمية أو القطرية، فالمجد ليس في التوطين بل في التوطن، تلك همومكم، لكنها أيضاً جزء من الهم العربي الذي إن كنا جزءاً منه سنجد دوماً من يلبي نداء من يكون للوطن».
اختلف مع الأخ مصطفى، فالمجد في التوطين فعلاً، مجد كل أمة أن تسد حاجة أبنائها في كل شيء، مجد أي مجد هو عافيته وقوته ونموه وخلوه من العاهات وليس مثل البطالة عاهة، أم يجب علينا أن نوزع أبناءنا على المدن وسفارات الدول الأجنبية بحثاً عن تأشيرات عمل لنصنع مجدنا عبر بوابات البطالة وهجرة الشباب وتباعد العلاقة بينهم وبين مفهوم الدولة التي يحملون جنسيتها، وينتمون إلى تاريخها وجغرافيتها ودمها، المجد في التوطن كما ذكرت، في العلاقة الصميمة بمفهوم الوطن والمجتمع، في عدم العبث في المسافة الحميمة بين المواطن وحبه لوطنه، في عدم حرمانه من حقه في خيرات وطنه كلها من الألف إلى الياء، تلك هي أولوية أي مجتمع على وجه الكرة الأرضية ولسنا بدعاً من الأمم!
إن المطالبة بالحد من بعض الظواهر السلبية، والتأكيد على قضية التوطين كنهج للدولة تسعى الحكومة لتكريسه وتأكيده في كل مناسبة ليست قطرية ولا إقليمية ولا شوفينية، أنا لست ساركوزي يا أخي، ولا أطالب بتهجير الأجانب والوافدين، وليست لي هذه التوجهات مطلقاً بل أعارضها وبشدة لأكثر من سبب، واعترف ابتداءً بأننا ندين للإخوة العرب وغير العرب بدورهم وفضلهم في عمليات البناء والتأسيس والتنمية، ولهم عليّ بشكل خاص فضل التعليم والتوجيه وأمور أخرى، لكن ذلك شيء، والمطالبة بالتوطين شيء مختلف تماماً.
هذه قضايا كلية، لها علاقة بأمن الوطن ومفهومه في نفوس الشباب، لها علاقة بتكريس المواطنة والانتماء، لها علاقة بتفعيل الحقوق التي أقرها الدستور والعرف والعقل والمنطق، لها علاقة بمنطق الحياة نفسه، فالأرض يحرثها أبناؤها أولاً، من دون أن يعني ذلك أي إقصاء أو اعتداء على أحد، من دون أن يعني اتهاماً أو رفضاً لأحد، العلاقة ليست مقارنة ولا مفاضلة أبداً، إنها ليست عنصرية ولا شوفينية، التوطين حق من حقوق المواطنة لا يجب أن يغضب أحد أو يقف أحد في طريقه. التوطين سياسة وقرار رسمي، وذهنية اجتماعية، واستعداد فردي وتربية أسرية وتوجه إعلامي، وما نكتبه لا يذهب بعيداً عن ذلك.
