البحر الميت الأردن، مؤتمر الاقتصاد الدولي: 10/5/2007 أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وقفاً للعلوم والتنمية العربية بحجم 10 مليارات دولار. قوبل هذا التصريح بصمت وذهول هل ما يسمعون هو الذي ما يقال لهم إلى أن أكد لهم رئيس المؤتمر أنهم سمعوا ما لم يسمعوا من قبل، (انتهى الخبر).

إنه إعلان قائد يطرح إستراتيجية اختراق وكسر للدوامة المعرفية التي تجر العرب نحو الحضيض. كانت الرسالة بأننا لن ننتصر في هذا العالم إن لم ننتصر على أنفسنا، وهكذا أعلن سموه الحرب على الفقر والجهل والبطالة التي تعم العالم العربي.

يتساءَل البعض ولمَ هذا الوقف وهناك صناديق التمويل العربية؟ نعم، هذه الصناديق تسهم في بعض مشاريع التنمية المختلفة في العالم العربي، إلا أنها تعاني من الارتباط السياسي لدولها فهي تعطي هذا وذاك حسب التقلبات السياسية، وهذا يعتبر الفارق الأساسي بين مؤسسة محمد بن راشد وصناديق التنمية للدول العربية، فالأولى شاملة لها خطط مدروسة (سيعلن عنها آخر العام) ومتكاملة على مستوى العالم العربي ككل والأخرى ليس لها برنامج بل هدف كبير لا يُعرف قدمهُ من رأسه.

منْ هذا الرجل الذي يدعو لإصلاح حال العرب فقد أتى قبله زعماء بوعود وطموح الهمتهم، ثم ماذا؟ ذهبت أدراج الريح. إن من يعلم من هو صاحب السمو الشيخ محمد يصفهُ برجل 24 شهراً، إنه إذا وضع يده على مشروع فاليد الأخرى تستلمه بعد 24 شهراً (بمعنى أن تكون نتائج ملموسة) وإن السطور هنا لا تسمح لنا بطرح انجازات صاحب السمو الشيخ محمد لنثبت مصداقيته.

إلا إننا سنتطرق إلى الثورة التنموية في دبي بصفته حاكماً لها والتي رأى جيرانها فيها ناطحات السحاب التي تم استنساخها، ونسوا البنية التحتية اللازمة للنجاح من مراكز أبحاث ومدن جامعية وطبية وتكنولوجية.... إنها انجاز تلو الآخر تتكلم عن نفسها وليس هناك من سبب أن تعمم يده الخيرة وانجازاته العالم العربي، فدعونا نوصل رسالة الخير للعرب أجمعين ليعوا بأنهم أمام عالم جديد ونقطة تحول في تاريخ العرب، إن بناء الثقة بالنفس بين الجماهير العربية يعطي المشروع زخماً مضاعفاً.

قام صاحب السمو بالتأكيد على أن الوقف يشمل العرب والمسلمين «إسلامي» لذا فمن الطبيعي أن تصب إنجازاته في باب الصدقة الجارية، فليضع ملوك ورؤساء وأمراء ومليارديرات العرب أيديهم في يد سموه لرفع حجم الوقف إلى 150 مليار دولار ليدر ما يزيد على 10 مليارات دولار سنوياً من الخير للأمة العربية و الإسلامية والصدقة الجارية ستعم عندئذ من أجابهم الله وشاركوا في هذا الوقف، إن هناك عشرات الملايين ممن يبحثون عن لقمة العيش والمدارس والمستشفيات والمساكن .. وفي نفس الوقت هناك الحكومات التي تعاني عجزاً مدمناً في برامجها التنموية يتطلعون إلى المزيد من المساعدات، الكل سيهلل ويرحب ويشجع هذه المبادرة غير المسبوقة.

ومرة أخرى يكرر السؤال نفسهُ لماذا هذا الوقف؟ وللإجابة الوجيزة سنعرض بعض الأرقام من البنك الدولي لعام 2005 والتي تشير إلى أن مجموعتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنةً مع دول الاتحاد الأوروبي يتقاربا في عدد السكان في حدود 310 ملايين ، أما بالنسبة إلى متوسط دخل الفرد الواحد للمجموعة الأولى هو 198 ,2 دولار سنوياً أما الثانية هو 32, 098 دولارا، أي أكثر بـ 14 ضعفا (والأسوأ إذا ما تم سحب دول الخليج من هذا المتوسط) .

إن ما يقلق الجميع هو أن المنطقة حسب تقرير البنك الدولي تحتاج إلى خلق 100 مليون وظيفة ما بين عام 2000 وعام 2020 ويقترح بأن نمواً اقتصاديا سنوياً ما بين 6% و 8% يكون كافياً لتغطية هذه الوظائف، والجدير بالذكر بأن المنطقة التي يشير اليها البنك الدولي تشمل كلاً من تركيا وإيران واللتان يهمنا ما يجري فيهما كما يجري لنا.

ان الغرب ككل منغمس في سيناريوهات قاتمة فيما إذا تحولت هذه الأرقام إلى بطالة عمل ، إن تداعياتها رهيبة للغرب خاصة إذا ما عبر هؤلاء البحر المتوسط للبحث عن لقمة العيش هناك، فليقف الغرب معنا يداً بيد لنخرج أنفسنا ونخرجه من ويلات ديموغرافية لا يستسيغها، نعم فمؤسسة محمد بن راشد لها أبعاد إستراتيجية دولية فالغرب يرى في نجاحها علاجاً لمستقبل العمالة الأجنبية والتركيبة السكانية التي سيواجهها ولهذا سيكون الحليف الأول لإنجاح هذه المبادرة.

هناك عشرات الآلاف من العلماء العرب في دول الغرب وأحد الأسباب لوجودهم هناك عدم توفر المنشآت المدنية الأكاديمية والتجارية التي تستطيع استيعاب قدراتهم البحثية المتطورة في العلوم الطبيعية أو التطبيقية.

إن هجرة العقول العربية إلى الغرب ستشهد هجرة معاكسة إذا ما توفرت لهم البنية التحتية العلمية والمستوى الاجتماعي والمعيشي الذي تعودا عليه في الغرب، نعم ومرة أخرى هذا ما كان يبنيه صاحب السمو الشيخ محمد طوال السنوات الماضية ليس لبناء جيل جديد من العلماء العرب بل احتضان الخبرات العميقة لعلماء العرب في المهجر ونقل التكنولوجيا لأبنائهم من طالبي العلم والمعرفة، وان التمركز الأكاديمي والبحثي الذي قام بتأسيسه صاحب السمو الشيخ محمد سيشكل منارة للبحث والابتكار لم يشهدها العرب حتى من مكتبات المأمون.

وهكذا فإن الطرح أعلاه يقدم صورة موجزة لضرورة وجود هذا المشروع الوقفي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للعلوم والتنمية العربية وبعض العوامل التي سوف تدفع نجاحه لهزيمة الفقر والجهل والبطالة لنخرج من دوامة الفشل والذل. إن من العوامل الرئيسة لنجاح هذا المشروع العربي الإستراتيجي:

1- إدارة مركزية تحت قائد فذ إنجازاتُه تتكلم عنه.

2- ديمومة ميزانية الإنفاق التنموي.

3- وضع المؤسسة كوقف يجتذب الكثير من أهل الخير طلباً للصدقة الجارية.

4- الضغط الشعبي العربي للحصول على المزيد من المنافع.

5- تنافس الحكومات العربية لتغطية العجز في ميزانيات التنمية.

6- الهجرة المعاكسة للعقول العربية.

7- دعم الدول الغربية لنجاح إستراتيجية المؤسسة ، وذلك لكبح جماح الهجرة الجماعية للغرب بحثاً عن لقمة العيش.

كاتب إماراتي