عندما نطالب سمو رئيس مجلس الوزراء بضرورة المبادرة ومباشرة الفعل السياسي والتنموي، فاننا، كما نرى، لا نطلب الصعب، ولا نطرح المستحيل. فالكويت لا تواجه صعوبات سياسية داخلية مستعصية على الحل، أو تعاني تحديات اقليمية تشل قدراتها او تحد من حراك القوى الفاعلة فيها.
لله الحمد، وللقادة واهل الرأي الشكر.. لسنا بلدا تمزقه الصراعات او تعصف به العصبيات، او تقيد حركته الخلافات، مهما بدا ظاهرها عنيفا، ولسنا بلدا يفتقد القدرات المادية او القوة الاقتصادية، فاسعار النفط في اعلى المستويات، ومدخراتنا تكفي وتزيد. ولسنا منخرطين في صراعات اقليمية، او معنيين بقضايا خلاف وشقاق مع احد.
صحيح ان التوتر حولنا، وان الاضطراب قريب منا، لكن الصحيح ايضا ان ما من منطقة او اقليم آمن في عالم اليوم، ونحن افضل استقرارا من الكثيرين.ليست هناك معوقات تبرر التردد والحيرة وغياب القرار، ولا وجود لما يمنع او يعترض البدء في الاصلاح المنشود، هذا هو مختصر الوضع وهذا هو واقع الحال. لهذا كان ولا يزال مستغربا هذا الجمود.
وهذا العجز عن الحراك او التقدم، خصوصا ان المطروح هنا ليس القيام بالمعجزات او الإتيان بما لم يأت به احد، بل المطروح ببساطة، هو التعامل مع التحديات ومواجهة الازمات وازالة المعوقات. القصد ان مشاكلنا وازماتنا ليست من النوع غير القابل للحل، واننا، دولة وشعبا وقيادة، نملك مقومات المواجهة وادوات التغيير.
كما يبدو لنا، فان مشاكلنا الحقيقية تنحصر حاليا في أربع قضايا رئيسية، من السهل حلها متى ما توافرت الرؤية والعزيمة والجرأة على القرار. اولى مشاكلنا هي الاستخفاف بالقوانين واللوائح الموجودة. وثانيتها، تنوع السلطة وتعددها، صحيح اننا تجاوزنا ازمة التفويض وتعدينا حكومات 'الراسين'، ولكن يبدو الآن ان الايادي كثيرة، وان هناك الكثير من العبث. ثالثة القضايا، مشكلة الرقابة والتشريع والعلاقة المتوترة بين الحكومة ومجلس الامة.
ورابعتها، عدم التمعن جيدا في نوعية الوزراء وقدراتهم، وما اذا كانوا رجال دولة حقيقيين، يشكلون اضافة للعمل الوزاري أو يصبحون عبئا ثقيلا عليه، ناهيك عن الأسلوب المعتمد لاختيار الوزراء، وهو أقرب الى العشوائىة والتسرع.
وإذا نظرنا الى هذه المشاكل الاساسية، وخصوصا تطبيق القانون وحسم تعدد السلطة والقرار، فان الواضح ان حلها يعود بشكل اساسي الى سمو رئيس مجلس الوزراء وحكومته، التي عليها ان تثبت وتقنع الاول والتالي بأنها، وبتفويض من صاحب السمو امير البلاد، هي المهيمن الدستوري الوحيد على شؤون الدولة والحكم .
تبقى مسألة العلاقة بين الحكومة ومجلس الامة، وهي ما ادخل البلد ويدخله في ازمات شلت القرار فيه، وجمدت الكثير من الخطى. هذه العلاقة يعود توترها بشكل كبير، كما نرى، الى القضيتين او الازمتين السابقتين.. تعدد السلطة وغياب القانون. بحيث إن تطبيق القانون واعادة هيبة القضاء اليه، وإلزام الجميع بتنفيذ احكامه، ومحاصرة بؤر التسيب والفساد ستنزع الكثير من فتائل التوتر بين المجلس والحكومة.
كما ان تحجيم من يضربون تحت الحزام او من يمارسون السلطات غير المشروعة سيقلل اعداء الحكومة، ويزيد اصدقاءها، ويختزل الكثير من الحنق او سوء التفاهم الناجم عن استفزاز قوى التخريب للكتل والقوى السياسية.
ازمات بسيطة، تكبر وتتفاقم وتتعقد من دون داع حقيقي، رغم توافر قدرات هائلة لدينا.. هذا هو ملخص الوضع، وليس مطلوبا من اجل حل هذه الازمات واطلاق هذه القدرات غير أن يقدم سمو الرئيس ويبادر.. والاقدام والمبادرة ليسا من المستحيلات.