تحول مخيم نهر البارد أمس إلى ساحة حرب مؤسفة ، وتعرض لقصف شديد وطويل تركز معظمه على مواقع "فتح الإسلام" ولكن بالتأكيد كانت له أضراره الكبيرة على البنية التحتية وممتلكات المدنيين الفلسطينيين وأرواحهم ، في الوقت الذي لا تزال فيه مجموعة فتح الإسلام تتحدى الدولة اللبنانية وجيشها وبنفس الوقت تعرض السكان الفلسطينيين الأبرياء لتداعيات وآثار القصف المستمر.

التنظيمات الفلسطينية جميعا استنكرت ورفضت ممارسات فتح الإسلام ، وهذه التنظيمات هي عنصر أساسي في إحلال السلام في المخيمات ولا بد من وجود تنسيق وتعاون مع الجيش اللبناني في تحديد أهداف العمل العسكري بما لا يؤثر على حياة المدنيين الفلسطينيين ويعطي الفرصة لهذه التنظيمات والقيادات الفلسطينية للسيطرة على الأمن في المخيمات وتنظيفها من مجموعة فتح الإسلام التي جعلت كل سكان المخيم عرضة للعمل العسكري من الجيش اللبناني وهو عمل لا يمكن رفضه من حيث المبدأ لأنه يستهدف الحفاظ على الأمن اللبناني ولكن من المهم محاولة تحييد المدنيين وعدم تركهم رهينة لفتح الإسلام.

من الواضح أن الجيش اللبناني مصمم على إنهاء المهمة في مواجهة فتح الإسلام ، ولكن الجميع يحس بالكثير من التخوف والحرص على أرواح وممتلكات المدنيين الفلسطينيين ، وكذلك عدم إنجرار الجيش وراء معركة غير متوازنة ما بين جيش نظامي وعصابة مختبئة بين المدنيين وهذا ما يجعل الظروف مواتية للكثير من النتائج السلبية الخاضعة للاستغلال الإعلامي والسياسي من قبل الجهات التي لا تريد الخير للبنان.

مع قرار إنشاء المحكمة الدولية للكشف عن حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري يدخل لبنان مرحلة في غاية الخطورة والتوتر ، حيث ستكون هناك محاولات كثيرة للضغط على الدولة والمجتمع اللبناني لدفع ثمن باهظ لقاء تأسيس المحكمة ، ومن المتوقع أن تكون مشكلة مخيم نهر البارد وممارسات فتح الإسلام الإرهابية مجرد جزء في هذه المخططات لدفع لبنان نحو الهاوية وهذا ما يستوجب الحكمة في التعامل مع الموقف الحساس.

على الدول العربية مسؤولية كبيرة في أن لا تترك لبنان وحده في مهب الريح. الموقف الأردني تمثل في الانتصار لحق الدولة اللبنانية في الأمن ومواجهة الإرهاب ، ولكن في نفس الوقت الحرص التام على حياة المدنيين وهذا هو الموقف الأخلاقي الذي يعمل على دعم الشرعية اللبنانية والحفاظ على حياة الأبرياء بدون التعريض الإعلامي بحق الجيش اللبناني ولا استغلال معاناة المدنيين الفلسطينيين لبث رسائل ضد شرعية الدولة والحكومة وإعطاء المبررات لعصابة فتح الإسلام.

التطرف والعنف والإرهاب لا تجلب إلا المتاعب ولا يمكن لدولة ما أو مجتمع أن يتماسك مع وجود التيارات الإرهابية المتطرفة التي لم تكن ابدا صاحبة قضية أو حاملة لواء تحرير أو تنمية أو دفاع عن الحقوق ، والتاريخ الحديث لكل الدول والمجتمعات العربية يؤكد أن تنظيمات التعصب الطائفي والفكري لم تساهم إلا بإحداث الدمار والانقسام والحروب الأهلية التي يكون المدنيون أكبر ضحاياها ، والدولة اللبنانية تواجه حاليا تحديا بحاجة إلى حكمة كبيرة في إدارته للقضاء على الإرهاب مع حماية حقوق الإنسان وسلامة الأبرياء ، وتحتاج الدولة اللبنانية إلى كل اشكال الدعم الإيجابي من الدول العربية في هذه المهمة الصعبة.