«الكنيسة الكاثوليكية تخاف من أن يدير المؤمنون ظهورهم لها» بهذه العبارة لخص صحافي برازيلي المهمة الصعبة للبابا بنديكتوس السادس عشر في أميركا اللاتينية التي تضم نحو نصف كاثوليك العالم أي (415 مليونا)، وهو سماها «قارة الأمل» قبل أيام من الزيارة.

لكن قارة الأمل لا تخلو من متاعب فهو يواجه هجرة الكاثوليك إلى الكنائس البروتستانتية وخلال عشرة أعوام فقط انتقل الكاثوليك من 74% إلى 64% من السكان حسب دراسة أجرتها مؤسسة داتافولها، لكن البابا يواجه أيضاً مطالبات هوغو شافيز بالاعتذار عن أخطاء ارتكبتها حركات التبشير، وهي زيارة تاريخية والقضايا التي تثيرها كثيرة وعظيمة الأهمية.

البحث عن العدالة..والهوية

من القضايا المهمة في الزيارة قضية العدالة الاجتماعية أولا لأن الفقر من المشكلات المتفاقمة في أميركا اللاتينية، وثانيا لأن الكنائس الإنجيلية تسجل نجاحات في جذب الأتباع في مدن الصفيح الفقيرة في ضواحي المدن البرازيلية الكبيرة، وفي الوقت نفسه فإن الفاتيكان تواجه هناك منافسة من خطاب لاهوت التحرير الذي تعارضه الكنيسة لكنه يتمتع بجماهيرية كبيرة بسبب ثوريته وشعبويته.

وفي مواجهته يدعو بنديكتوس إلى التزام رجال الدين الكاثوليك بالنشاطات الاجتماعية والسياسية لصالح الفقراء وصولا إلى وصف الكنيسة بأنها «محامية العدالة والفقراء»، وإلى جانب كل ما سبق فإن المزاج السياسي الذي يسيطر عليه اليسار بقوة في كثير من دول القارة يفرض سياقا سياسيا لا يمكن تجاهله، الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا عبر عن هذا المناخ معربا عن الأمل أن «تشارك الكنيسة في جميع السياسات العامة لصالح الأكثر فقرا والمحرومين».

ومن العدالة إلى الهوية حيث أثارت كلمة البابا في افتتاح المؤتمر العام لأساقفة أميركا اللاتينية سجالا، البابا قال إن الإيمان المسيحي في أميركا اللاتينية أنعش حياة وثقافة بلدان المنطقة خلال أكثر من خمسة قرون، ومن لقائه مع الإثنيات الأصلية وُلدت الثقافة المسيحية الغنية لهذه القارة، ما أعطى بداية لتناغم كبير حتى في التعددية الثقافية واللغوية. واستخدم البابا تعبير «الهوية الكاثوليكية» مضيفا أن التبشير لم يحتو يوما إبعادا للثقافات ما قبل الكولومبية ولم يكن فرضا لثقافة أجنبية.

الرئيس الفنزويلي الصاخب هوغو شافيز لم يكن بثوريته وشعبويته ليفوت هذه الفرصة فرد على مطالبا البابا بالاعتذار لهنود أميركا اللاتينية «لتجاهله المذابح التي تلت اكتشاف كريستوفر كولومبوس القارة الأميركية عام 1492. مؤكداً أن المبشرين من النصارى وفدوا إلى قارة أميركا وهم يحملون الأسلحة الموجهة ضد السكان الأصليين للقارة من الهنود».

وقال شافيز في الكلمة التي بثتها الإذاعة والتلفزيون الرسميان «كيف يمكنه القول إنهم جاؤوا يبشرون بدون أن يفرضوا شيئا فيما كانوا مسلحين ببنادق»، وقال شافيز موجها كلامه للبابا في مراسم نظمت بمناسبة حرية التعبير: «مع كل احترامي لقداستك اعتذر لأن مذبحة حقيقية وقعت هنا وإذا كنا سننفي ذلك فإننا ننفي وجودنا»!

الكاثوليكية والعولمة

الزيارة لم تخل من إثارة قضايا لها طبيعة عالمية منها ما وصفه البابا أنه ضعف الحياة المسيحية في المجتمع والمشاركة في حياة الكنيسة الكاثوليكية بسبب العلمنة واللامبالاة، مؤكدا أن الحياة المسيحية لا يُعبّر عنها في الفضائل الشخصية فقط إنما أيضاً بالفضائل الاجتماعية والسياسية، وهو ذكر العلمانيين (ويقصد بالعلماني كل من لا ينتمي لسلك الكهنوت) بمسؤوليتهم ورسالتهم في نقل «نور الإنجيل» في الحياة الثقافية، الاقتصادية والسياسية.

ومن انتقاد العلمنة عرج البابا على العولمة والاستبداد مطالبا بتهذيب الأولى أخلاقيا ومهاجما الثاني وكذلك الأيديولوجيات التي تصنعه، بل إنه وجه نقدا عنيفا للرأسمالية والاشتراكية معا عندما قال: «إن الرأسمالية والماركسية قد وعدتا بإيجاد الطريق لإنشاء بنيات عادلة، وأكدتا أنها وعند استقرارها، ستعمل البنيات بمفردها وستنمي الأخلاقية المشتركة، ولكنّ هذا الوعد الإيديولوجي بان خاطئا». ودافع البابا عن العائلة واصفا إياها بأنها أحد أهم الكنوز في القارة وهي تعاني اليوم أوضاعا مؤلمة بسبب العلمنة والنسبية الأخلاقية والتشريعات المدنية المتعارضة مع الزواج والتي تشجّع الإجهاض

محنة الكاثوليكية

والقضايا التي تثيرها زيارة البابا تعبر عن اهتمام عالمي بقضية الصلة بين الدين والحياة العامة وهو أمر يحرص البعض على تصويره كما لو كان سمة للواقع العربي لكنه في الحقيقة هم عالمي ملح في مناطق عديدة شمالا وجنوبا، وكثير مما يطرحه البابا بشأن العولمة والأسرة والعدالة الاجتماعية ودور الدين في الحياة العامة لا يختلف عما تطرحه الحركات الإسلامية في العالم العربي.

أما قضية «النزيف» الذي تعانيه الكنيسة الكاثوليكية فتظل الأهم، أولا لأنها ليست مرتبطة بالفقر كما يبدو واضحا من الخطاب الكاثوليكي الرسمي فهي في حقيقة الأمر أزمة أوسع انتشارا ففي ألمانيا مثلا تذكر الإحصاءات أن الكنيسة الكاثوليكية فقدت في عام واحد (1997) حوالي 124 ألفا من أتباعها، وقد وضعت الدير شبيجل الظاهرة في سياق حالة أعم من البعد عن الدين فنشرت في أحد أعدادها موضوعا عن الظاهرة عنوانه «وداع الله» وفيه قال رئيس الأساقفة الكاثوليك في ألمانيا إنه منذ دخول المسيحية لم تشهد ألمانيا مسيحيين أقل منها اليوم!.

وفي أميركا واجهت الكنيسة الكاثوليكية محنة صعبة قبل سنوات، فهذه المؤسسة الضخمة التي يتبعها 65 مليون أميركي وتعد أكبر منظمة غير حكومية بأميركا وربما أكبر مساهم في ميزانية الفاتيكان واجهت قبل سنوات احتمال الإفلاس بسبب أحكام بالتعويض في فضيحة جنسية انفجرت قبل أعوام عندما كشف عن أن نحو 300 من القساوسة الكاثوليك الأميركيين يواجهون اتهامات بالتحرش الجنسي بالأطفال بعضها استمر قرابة عشرين عاما!!

وفي النهاية، فإن الزيارة وما تثيره من شجون وتساؤلات وسجالات وما تستدعيه من ذكريات حدث غاب عن الإعلام العربي دون مبرر مفهوم!من جهته قال سكرتير دولة الفاتيكان الكاردينال ترتشيتسيو برتوني الاثنين إن البابا يوجه «رسائل قوية» إلى الحكومات الأميركية اللاتينية حول «الحق بالحياة» في الوقت الذي قررت فيه مدينة مكسيكو إلغاء العقوبات على الإجهاض. وأضاف أن «الفقر والظلم والعنف وهجرة الكاثوليك نحو طوائف» أخرى هي من أبرز المواضيع التي سيبحثها البابا في البرازيل. وحسب خبراء في الفاتيكان فان الكفاح ضد «ديكتاتورية النسبية» ومن اجل «الدفاع عن العائلة» سيكون أيضاً في قلب ما سيتطرق إليه البابا في البرازيل.

كاتب سوري ـ باريس