قال المفكرون قديماً في معرض حديثهم حول التغيير إن الثورة دائماً تأتي من الفكرة، والفكرة في رؤوس البعض، ولم يشيروا إلى أن هؤلاء البعض بالضرورة لابد أن يكونوا من الخارج أي خارج المكان الذي يراد تغييره، بل أكدوا أن الأفكار لا تأتي من الخارج بل تنبع من داخل المكان ذاته، ومثلها التجارب الديمقراطية لا تأتي من الخارج.
«التطوير الديمقراطي ينبغي أن ينبع من إرادات محلية حرة في بلادنا». هكذا لخص رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سليم الحص إثناء مشاركته في منتدى الدوحة السابع للديمقراطية والتنمية والتجارة الحرة في رده على المحاولات المستميتة لفرض النموذج الديمقراطي الغربي علينا في المنطقة العربية، حيث وصف البعض التدخل في المنطقة بمسميات مختلفة مثل الاستعمار والانتداب والوصاية.
وبالنظر إلى التجربة العراقية المريرة، التي أعطت العرب دروساً لن تنساها الأجيال العربية طوال العقود القادمة، حيث لا نستطيع أن نصف شكل وحجم الجحيم الذي تدور رحاه في العراق حالياً وهي المحاولة الحية بيننا على التحول للنموذج الغربي للديمقراطية والذي مارسته القوات الأميركية بالحديد والنار ونرى شواهده واضحة للعيان بكمية القتل والتدمير الذي لحق بالعراق في الفترة الأخيرة، فتسويق الديمقراطية بهذا الشكل أضر بالمنطقة والفكر الديمقراطي والعملية باتت نتائجها واضحة على شاشات التلفزيون.
الديمقراطية لها معنى آخر بسيط يفهمه الجميع فهي احترام المجتمعات الأخرى وطريقة عيشها، ولا تأتي مستوردة في صناديق الاقتراع، بل هي أسلوب حياة يبدأ في الشارع وفي المنزل. وبالنظر إلى تجارب دول أوروبا الشرقية التي استطاعت أن تتحول إلى التجربة الديمقراطية بسلاسة بعد عقود من الحكم التوليتاري وذلك لوجود اتحادات عمال وطلبة ونقابات وغيرها من المؤسسات المدنية التي شكلت القاعدة الصلبة لعملية التحول... وحينما جاء دور هذه الأدوات عملت على التحول إلى النظام الديمقراطي.
أعجبتني المداخلات التي تمت خلال منتدى الديمقراطية الذي أقيم بالعاصمة القطرية الدوحة مؤخراً وشهده عشرات المفكرين من كافة أرجاء الأرض ليدلوا بآرائهم، وقال الدكتور اميل كونستانستنكو الرئيس السابق لرومانيا رئيس جامعة بوخارست وهو سياسي ولديه خبرة كبيرة في الإصلاح السياسي إن التاريخ يذكر رحلة ابن بطوطة وعمل البحارة العرب والتجار في أوروبا والإبحار بين أوروبا وآسيا وإفريقيا قد ساعد على نقل المعرفة فأول اقتصاد عالمي انبثق من هذه المنطقة.
وما يلفت النظر في كلام كونستانستنكو قوله إن الديمقراطية والتجارة وسيلتان يستطيع البشر من خلالهما أن يحققوا الحرية والرفاهية الجماعية وهي مشروعات معقدة يمكن أن تؤدي إلى فشل ونجاح. وان الخيال الشرقي ألهم الغربيين في عدة مجالات أدت إلى البحث بين الشعوب. وأوضح أن الديمقراطية والتجارة يمكن أن تنجحا إذا خدمتا حرية الأفراد وأهدافهم وان الملكية الخاصة يمكن أن تحظى بالعناية الفائقة وهي ملكية منتجة وتثري التقدم وتساعد عليه وان كل دولة لها إمكانات تجعلها تتخصص في مجال معين وتمارس التجارة الحرة بدل الحماية من اجل اقتصاد أفضل.
نصائح جيدة من خبرة سابقة حيث يكمل الرئيس السابق لرومانيا بالقول إن الديمقراطية العميقة تعتمد على الممارسة وعلى وجود الطبقة المتوسطة وعليه يجب تحقيق الاكتفاء الذاتي وتكريس الوقت للشؤون العامة وان الدولة هي الأساس لضمان الديمقراطية بدليل ما حصل في أميركا وآسيا، مشيرا إلى ما يمكن أن يحدثه فشل الطبقة الوسطى في انهيار الدولة.
وأخيراً مع الاحترام الكامل لكل الديمقراطيات العريقة فنحن نريد بالتبعية احتراماً لخصوصيتنا، يتماشى مع محاولاتنا للإصلاح وأعتقد أن الإصلاح في الوطن العربي حاليا جزئياً، شمل المجال الاقتصادي فقط، وعموماً فإن الحركة الإصلاحية في الوطن العربي وصلت إلى باب مسدود لأنها لا تريد أن تكون حركة إصلاحية شاملة.
فيجب أن ينطلق الإصلاح الاقتصادي من الإصلاح السياسي فأي حديث عن إصلاح تربوي أو إصلاح اجتماعي أو إصلاح اقتصادي لابد أن يمر عن طريق الإصلاح السياسي وإلا يصبح منحة أو إصلاحاً مؤقتاً أو إصلاحاً مشوهاً أو إصلاحاً تحت تأثير خارجي مثلما يحدث حالياً في المجال التربوي في العالم العربي الذي يتم تحت تأثير خارجي، وبمساعدة مع الأسف من الداخل.