ابتليت امتنا منذ عهد الاستعمار ببلاء التفرقة الطائفية، وأقول منذ عهد الاستعمار لأن الأرض العربية منذ نشأتها كانت مهدا للحضارات ومنبعا للطوائف والأديان وجميع الاختلافات الطائفية فيها لا يمكن أن تحرك إلا إذا هز جذعها الأجنبي إلا أننا في ذات الوقت يجب أن نعترف أننا نحن العرب أقدم من غيرنا خبرة في ويلات الاقتتال الطائفي أو السياسي، ولكن غيرنا قد تعلم من أخطائه جيدا في حين أن العرب أتقنوا دور طمس الرؤوس في الرمال.
حيث تعلم الغرب واقصد هنا أوروبا على سبيل المثل كيف يورون مساوئ الاختلاف في العقيدة أو الدين أو العرق وذلك بعد أن حطمت الحروب الأوروبية أوروبا واستنزفتها عقودا من الزمان. .إلا أننا نحن العرب ومع أن ديننا الإسلامي وسنة نبينا الكريم تحمل كل معاني السماحة والتسامح ويصف بدقة كل مخاطر التفرقة مهما كان شكلها وكيف هي سم زعاف يحطم الدين والعقيدة قبل أن يحطم المجتمع والأمة. ومع ذلك فإن بلاء الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي لا يزال داء الأمة المزمن.
هذا البلاء المزمن كان الضارة النافعة لكل القوى الكبرى التي تكالبت على امتنا العربية. واليوم فان الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل تلعبان بهذه الورقة وتحركانها من جديد بعد أن دخلت في الأرض العربية والروح العربية كل العوامل التي تساعد على تأجيجها. وانتم تعرفونها أفضل مني الفقر والبطالة والجوع والقهر والعلم المبني على جهل والعمل المبني على المادة.
هذه المقدمة تقودنا إلى المخطط القديم المتجدد الذي تعمل عليه اليوم الدوائر الأميركية الإسرائيلية ألا وهو إغراق الأمة العربية في أتون الحروب الأهلية، فالولايات المتحدة بكل وهم القوة والعظمة إلا أن تخطيطاتها في الشرق الأوسط غالبا ما تبنى على أساس المشورة الإسرائيلية على اعتبار أن مصالح إسرائيل هي ذاتها مصالح الولايات المتحدة وهذا هو السياق المتعارف عليه في كل مراحل الإدارات الأميركية.
إلا أن إدارة بوش شذت عن هذه القاعدة وأراد بوش أن يزاوج بين مخططات إسرائيل وبين مخططات ومعلومات أفراد إدارته وخاصة الفريق المخصص للشرق الوسط وللعراق خاصة. مخططات إسرائيل استلهمت من وحي ضروراتها الأمنية والتي تقتضي بمواجهة أهم عدوين كانا يمثلان تحدياً حقيقياً لإسرائيل التحدي الأول هو العراق وتحديدا النظام العراقي السابق. أما الخطر الآخر فكان ممثلا بحزب الله..
أما بالنسبة لتوصيات إدارة بوش والتي هي الأخرى ذات أصول إسرائيلية فهي قد استلهمت من أهم توصيات النسخة الحديثة لمشروع الشرق الأوسط الجديد، كانت ما يسمى بعملية شد الأطراف عبر التدخل العسكري المباشر وهذا ما قامت به الولايات المتحدة باحتلالها العراق 2004.
أما الجزء الآخر فهو تمرير نموذج الديمقراطية الغربية. الذي حصل هو أن عملية المزاوجة بين كلا المخططين أدت إلى الكارثة التي تعيشها المنطقة حيث إن أجزاء هذا المشروع سرعان ما تهاوت وتحول حلم احتلال العراق إلى كابوس مظلم سواء للولايات المتحدة التي تبنت هذا الوهم أو للتابعين الذين صدقوا أن هذا الوهم سوف يقدم لهم فرص الإدامة والاستمرارية.
إسرائيل بمساعدة حماقة الإدارة الأميركية استطاعت إسقاط النظام العراقي ولكي تقضي على أي إمكانية لعودة المجتمع العراقي أو أي إمكانية لإعادة تكوين جيش عراقي مستقل كان لابد من التأكد من تفشي وباء الحرب الأهلية الذي سبق وان غذته إسرائيل في لبنان واستطاعت عن طريقة الهاء المقاومة اللبنانية كما استطاعت أن تلطخ أيادي كافة الأطراف السياسية اللبنانية وطنية أم عميلة بدماء الشعب اللبناني، عملية لبننة العراق نجحت بما كان لصالح المخطط الإسرائيلي وحتى اليوم لا يجرؤ احد على القول إن هناك إمكانية لتكوين جيش عراقي وطني يستطيع أن يعيد أمجاد الجيش العراقي الذي طالما قاتل في سبيل القضايا العربية المصيرية.
إلا أن الجانب الآخر وهو مواجهة العدو الأخطر لإسرائيل ألا وهو حزب الله فان العملية بدت أكثر تعقيدا. وجاءت أحداث حرب يوليو المنصرم في لبنان لتعيد توازنات القوة والأمن في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي. وبالتالي فان إسرائيل والولايات المتحدة اللتين عملتا على لبننة العراق تعملان اليوم على الاستفادة من النموذج الذي أفرزته عملية لبننة العراق ذلك النموذج الذي يهدف إلى إلهاء المقاومة اللبنانية بقضايا الداخل وتشتيت الجماهير بين المحاصصات السياسية والحزبية وخلف قضايا لا حلول لها أو أن خيوط حلها تبقى بأيدي الغرب.
وبالتالي فان المطلوب في لبنان هو اقتتال داخلي بالطريقة العراقية وليس بطريقة الحرب اللبنانية السبعينية لان هذا الاقتتال الداخلي يهيئ الفرصة للتدخل الخارجي الصرف والتحكم بمجرياته بمعنى خفضه وقت الحاجة ورفع مستوياته وقت الحاجة أيضا.. كما أن عمليات القتل والانتقام المتبادل الداخلي لا تسمح لفريق بالانتصار وحسم الموقف لصالحه على حساب فريق آخر كما هو في العراق. فالجميع خاسرون ولا وجود لأبطال أو جبناء، فالجميع مجرمون في النهاية سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوا..وهنا تكمن شيطانية المخطط الإسرائيلي.
لقد أجدنا نحن العرب إلقاء اللوم على الآخر وعلى أن الزمن ومتغيراته تعصف بأوضاعنا وأفكارنا ومجتمعاتنا والواقع أننا نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا. .فبينما يخطط الآخرون لاستغلال نقاط ضعفنا لصالحهم نكتفي نحن بسرد الأكاذيب على أنفسنا والفرار من الواقع. نعم أن الاختلافات الطائفية والسياسية هي أمر واقع في الدول العربية وبالتالي فان سيناريو لبننة العراق وعرقنة لبنان سوف نجده غدا في الكثير من الدول العربية حتى تلك التي تعتقد أن الباب موصد جيدا على نوازع التفرقة مهما كان جنسها.
وبالتالي فان جميع إمكانات الأمة يجب أن تتضافر في سبيل إيجاد الحلول العملية لإخماد نيران الحرب الأهلية أو أي شكل من أشكال الاقتتال أو التناحر الداخلي والحلول لا تكون بستر العورات بأوراق التوت أو إخفاء الجريمة والتوسل بالجاني لكي لا يعلن جريمته. وليس بكلمات تطييب الخواطر التي تلهبها الأحقاد والضغائن.
فتلك الحلول التي يجيدها بعض الحكام العرب لن تخمد النيران ولن تسكت النافخين عليها. الحلول يجب أن تكون جذرية وشجاعة وخارجة عن المألوف هي حلول تبدأ من الإنسان العربي نفسه الذي يجب أن يعاد بناؤه بفكر جديد نستمده من سماحة ديننا ومن تجارب الآخرين الناجحة وحتى من أفضل تجاربنا. إن الحكومات العربية مطالبة اليوم وبقوة بالوقوف في وجه مخططات الحرب الأهلية وما يحاك ضد العراق وفي لبنان وفي أي مكان من امتنا، كما أنها مطالبه ببناء الإنسان العربي والمجتمع العربي بطريقة يحسن فيها قراءة التاريخ. ولكي يحسن قراءة التاريخ لا بد أن تكون مفردات الحاضر والمستقبل واضحة لديه.
كاتبة عراقية