نقرأ ونكتب الكثير هذه الأيام عن الديمقراطية في عالمنا العربي. ويؤكد العديدون أنها المخرج الوحيد «الأكيد» لنا من حالة الوهن والتقهقر التي نعيشها منذ سنوات طويلة. وانها ضرورة «حياتية» لنا، وللعالم. بل ويرى مفكرون استراتيجيون عالميون أن ولوج العالم العربي ـ الإسلامي دروب الحرية السياسية والحداثة الديمقراطية في إطار العولمة السائدة يشكل شرطا لا بدّ منه من أجل استقرار هذا العالم. ذلك أن مثل هذا السبيل هو أفضل إجابة في المدى الطويل على كل أشكال التطرف، من خلال محاربة الأسباب العميقة التي تشكل حاضنته وليس مجرد التصدي لنتائجه وتبدياته.
لا يختلف اثنان أن للديمقراطية مبادئها النبيلة وأنها تشكل للكثيرين حلما بعيد المنال. لكن لا شك أيضا أنه لها أوهامها ونواقصها وواقع «زيحانها» الكبير أحيانا بين ما ترفعه من شعارات وواقع ما تعرفه في واقع التطبيق. هذا ما يمكن أن تبديه نظرة متأنية لما شهدته عدة نماذج ديمقراطية شهدت أحداثا كبرى في الآونة الأخيرة، وذلك من الأكثر «عراقة» ـ ديمقراطية بينها إلى الأكثر «تفاهة».
فلنتأمل أولا النموذج الفرنسي حيث كانت بلاد أكبر ثورة في التاريخ عام 1789 قد شهدت مؤخرا انتخابات رئاسية اختار فيها 53% من الفرنسيين، عبر الاقتراع الشعبي المباشر، نيكولا ساركوزي رئيسا للجمهورية. لا أحد يشكك بالطبع بشرعية الرئيس الجديد فالأقلية «المهزومة» تقبل قرار الأكثرية «المنتصرة». وهذه هي إحدى القواعد الأساسية في اللعبة الديمقراطية، حق الأكثرية أن «تحكم» وحق الأقلية أن «تعارض»، لكن ما عشناه وعايشناه طيلة أسابيع الحملة الانتخابية الطويلة يسمح بصياغة عدة ملاحظات على «مستجدات» الممارسة الديمقراطية في السياق الذي جرت فيه.
الملاحظة الأولى هي أن الناخب الفرنسي قد اختار مرشحه مثل مستهلك وجد نفسه أمام مجموعة من العروض «التجارية». لقد وضع الاقتراحات والبرامج الانتخابية المقدّمة له من قبل المرشّحين «في الميزان» وأعطى صوته بعد ذلك لمن رجحت «كفة» مقترحاته في اتجاه خدمة مصلحته الخاصة. لقد بدا بوضوح في أغلب الحالات ـ الاستثناءات تثبت القاعدة ولا تنفيها ـ ان الناخب الفرنسي المعني قد وضع جانبا، بل لم يأخذ في اعتباره أصلا، مفهوم «الصالح العام».
إن مجرد قراءة سريعة لنتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العاصمة باريس يمكن أن تجعل الصورة أوضح. تضم باريس 20 دائرة انتخابية، وقد حصل الرئيس المنتخب نيكولاي ساركوزي ـ مرشح الأغنياء وأرباب العمل ـ في الدوائر الغنية على أغلبية ساحقة من أصوات الناخبين. وقاربت هذه النسبة مثلا في الدائرة الثامنة ـ جادة الشانزيليزيه وضواحيها ـ حوالي 80% من الأصوات ـ هذه نسبة تليق بنسبة انتخاب بعض رؤساء «ديمقراطيات» العالم الثالث ـ بينما أن الأغلبية ذهبت في الدوائر الفقيرة، أي الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين، باتجاه المرشحة الاشتراكية سيغولين روايال.
الملاحظة الثانية هي أن الأحزاب السياسية الفرنسية قامت بصياغة وتعديل مقترحاتها الموجهة لجمهور الناخبين تبعا للتوجهات التي أظهرتها نتائج استطلاعات الرأي التي قامت بها مؤسسات مختصة. بهذا المعنى بدت هذه الأحزاب وكأنها تحدد مشاريعها على أساس نفس الآليات التي تتبعها الشركات الساعية للربح التجاري عندما تحدد استراتيجياتها في التسويق واستهدافها «زبائن» معينين.
ولكن بالمقابل من المفيد الإشارة، في معرض المقارنة، أن هناك نمطا آخر للسلوك انتهجه سياسيون فرنسيون كانوا قد خالفوا بجسارة التوجه السائد لدى الرأي العام عندهم. ذلك ما فعله الجنرال ديغول عندما دفع فرنسا ـ أنقذها في الواقع ـ باتجاه القبول باستقلال الجزائر. وما فعله أيضا فرانسوا ميتيران عام 1982 عندما ألغى، وضد توجه الرأي العام آنذاك، عقوبة الإعدام. لعلهم قرأوا جملة أفلاطون القائلة: «الديمقراطية هي إعطاء السلطة للجهلة».
الملاحظة الثالثة تؤكد المقولة الشهيرة التي قال بها المفكر الفرنسي الكبير «غي ديبوس» مؤلف كتاب «مجتمع الاستعراض» ومفادها أن «ديمقراطيات ما بعد الحداثة تندرج في إطار فن الاستعراض». هذا ما تمّت ترجمته، في الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة، في التأكيد على الدور الكبير الذي لعبته الاستراتيجيات الإعلامية القائمة على «استثمار» الصورة وعلى «بلاغة» الخطاب السياسي.
وإذا كانت منظومات الدعاية العتيقة وغير المجدية القائمة على «تمجيد الفرد» قد عفى عليها الزمن، فإن «الديمقراطية الإعلامية» تنحو باتجاه إعادة الاعتبار لها من خلال صياغة فكر «وحيد الاتجاه» على غرار «الديمقراطيات الشعبية» الاشتراكية «سابقا»، التي سادت لفترة ثم بادت.
ونموذج آخر للديمقراطية يجري الحديث عنه كثيرا هذه الأيام هو تركيا، أي البلد الوحيد في العالم الإسلامي الذي تبنّى الديمقراطية «التعددية» على الطريقة الغربية. لكن ليس «تماما». والبرهان هو ما شهدته مؤخرا بخصوص قضية ترشيح عبدالله غول لمنصب رئيس الجمهورية، وهو مواطن تركي، ووزير خارجية بلاده في الحكومة الحالية.
وهو يستوفي «دستوريا» الشروط المطلوبة للترشيح لرئاسة الجمهورية. لكن مشكلته ليس نقص صفات المرشح وإنما أنه يمتلك «صفة زائدة» هي أنه «ذو حساسية إسلامية» سياسيا. ولم يشفع له أنه أوروبي متحمس، بل وأنه عرّاب مشروع تقريب تركيا من النموذج السياسي والاجتماعي لدول الاتحاد الأوروبي.
العلمانيون الأتراك نزلوا بالآلاف المؤلفة إلى الشارع احتجاجا على ترشيح غول للرئاسة. وقيادات الجيش، حامي حمى العلمانية والديمقراطية، هددت وتوعدت وأنذرت. وهي التي لم تتردد عام 1980 من القيام بانقلاب عسكري بقيادة الجنرال كنعان ايفرين عندما رأى أن إرث مصطفى كمال اتاتورك مهددا.
الأمر نفسه لم يكن بعيدا، كما يبدو، قبل أسابيع. لكن حزب العدالة والتنمية تراجع بكثير من «الحكمة» رغم أن نجاح مرشحه غول للرئاسة كان مؤكدا فهو يملك الأغلبية في البرلمان الذي يقوم بانتخاب رئيس الجمهورية حسب الدستور التركي. لقد تراجع إنما في منظور جعل انتخاب الرئيس يتم عن طريق الاستفتاء الشعبي المباشر. فماذا يمكن أن يفعل العسكر إذا قال الشعب كلمته في نفس الاتجاه الذي يمثله غول؟ وهل يمكن عندها للديمقراطية أن تطلق النار على نفسها؟
ونموذج ثالث ل«الديمقراطية»، وبين قوسين هذه المرة. إنه نموذج يتم وصفه على أنه «النموذج الديمقراطي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط»، والمقصود إسرائيل. ولتبرير «القوسين» سأكتفي بنقل جملة قالها النائب الفلسطيني في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي في ندوة دولية في بروكسل خلال شهر نوفمبر 2005 وجاء فيها: «تصف إسرائيل نفسها أنها ديمقراطية يهودية.
وهذا يمثل تناقضا صريحا بين تعبير الديمقراطية والمرجعية الاثنية. وكيف يمكن الحديث عن المساواة في إطار التمييز العنصري الذي نعيش فيه؟ إن مفهوم الديمقراطية في إسرائيل هو لصالح اليهود فقط ويستثني الآخرين كلهم»، وللإشارة لا تحظى حكومة أولمرت الحالية سوى بتأييد حوالي 10% من الإسرائيليين، بل وبـ 2% فقط منهم حسب أحد استطلاعات الرأي. وأخيراً ماذا عن الديمقراطية في عالمنا العربي. وهذا هو «بيت القصيد» فيما أريد الكتابة عنه.
الديمقراطية
إننا نحبها ونتحدث عنها كثيرا، ونعقد الندوات في مديحها، بل ونغني لها. ثم «نفعل بها» ما نشاء. إن «التطرف» في الحب يعيق ويكبح مثل أي تطرف. وأعتقد جازما أن القيام بخطوات صغيرة مدروسة في المنحى الديمقراطي تعيد للإنسان العربي بعض حقوقه المهدورة، وتضمن سيادة الدستور ومفهوم المؤسسة هي أفضل بكثير من كل «البلاغات» الجوفاء في مديح الديمقراطية، ومن إشادة «قصور» ديمقراطية على فراغ. الديمقراطية هي فكرة، مبدأ، مشروع، اختراع، منهج... وليست عقيدة.
بالتأكيد لم يعرف التاريخ الإنساني كله نظاما ديمقراطيا كاملا متكاملا. لكن، ومهما قيل، «تبقى الديمقراطية هي أقل الأنظمة سوءا» كما كان يردد ونستون تشرشل.
كاتب سوري ـ باريس