أستعرض معكم اليوم ـ على غير عادتي في الغياب يوم الجمعة رسائل بعض القراء ممن أدلى برأيه فيما يتعلق بالقضية التي تؤرقنا جميعاً، والتي خصصت لها مقالات الأسبوع الماضي بأكمله ألا وهي التوطين. لقد جرت عادتي أن أرد على قرائي الذين يراسلونني عبر بريدهم الخاص، أما حيال القضية التي نناقشها فلابد أن يكون الحوار مفتوحاً للجميع، لأن الجميع معني به المواطن كما الوافد، دون أن يعني ذلك أننا نريد خلق أي حساسيات من أي نوع، بقدر ما نرمي إلى إزالة بعض الالتباسات التي ولدها الحوار المقطوع..
يقول أحد القراء: «لقد انحرف الأخ كاظم الغيظ عن الموضوع تماماً، فالموضوع المطروح للنقاش هو توطين الوظائف وليس توطين البدون، إن من حق أي شخص يحمل جنسية الإمارات أن يكون له أولوية الحصول على الوظيفة، وهذا لا يعني أننا عنصريون أو أننا نطالب بما هو معيب، إنه حق تقره جميع الدساتير الديمقراطية. أما قضية البدون فموضوع مختلف ومستقل.. نحن نصر وسنبقى مصرين على توطين الوظائف».
لم أكن سأرد بأكثر مما قاله القارئ حسن من الإمارات، لكنني أزيد الرد توضيحاً ملزماً يتعلق بحق التوطين، فهو ليس حقاً مطلقاً غير مشروط، فلا نستطيع بأي حال أن نطالب بتوطين وظيفة طبيب لمواطن خريج علم نفس مثلاً، أو نجلس مواطناً على كرسي مدير مصرف، وهو خريج حديث من كلية الشريعة،.
نحن هنا نطالب بحق التوطين المقنن والمخطط والعقلاني، التوطين الذي يستوعب أبناء المجتمع في وظائف مؤسسات دولتهم حسب الشروط والكفاءات المطلوبة لشاغل الوظيفة والمتوفرة فيهم.. نعلم يقيناً أننا لن نصل إلى حد الاكتفاء الذاتي في التوطين لأسباب تعود للعامل السكاني.
لكننا نريد أن نحقق صفراً في المئة بطالة في مجتمع لديه من الوظائف ما يفوق التصور، ولكن بشروط توظيف ترفع مستوى الموظف الإماراتي. دون أن تصطدم بعلاقات التفاهم والتعاون التي تأسست عبر سنوات البناء مع الأخوة العرب وغير العرب ممن ساهموا وما زالوا في خدمة التنمية في الإمارات.
تماماً كما ذهب أحد القراء حين قال: «التنوع ظاهرة صحية، وتكافؤ الفرص كذلك، المواطن ليس من يحمل جواز سفر أو خلاصة قيد بل هو من يحرر نفسه من الأوهام لخدمة هذا الوطن.. كمواطن أحب أن أرى أبناء وطني في أرقى المناصب، لكنني أتشرف بمن لا يحمل جنسية الإمارات لكنه ساهم في بنائها».
ولا خلاف مع القارئ حول هذه المبادئ، ونحن هنا لسنا في صراع أو خلاف مع كل من ساهم أو بنى أو قدم، ذلك أن الاعتراف لأهل الفضل فضيلة نعتز بها.. لكننا نتحدث عن تجاوزات في مجال التوظيف تتم وفق معايير غير منطقية وغير موضوعية، معايير أقرب إلى استحقاقات العاطفة والمزاج والعلاقات الشخصية.
ما يدفع أبناء الوطن من الخريجين ثمنه سنوات مهدرة من أعمارهم في انتظار هاتف أو رسالة من جهة ما تطلبه لوظيفة شاغرة.وأخيراً. أختتم برأي القارئ: مصطفى من مالطا حيث يقول وبطريقة بدت عصبية وتتسم بتكوين حكم مسبق بنى عليه رأيه «لابد من التوطين، هذا حق لكل إماراتي، ولكن بشروط:
1 ـ الالتزام بمواعيد العمل.
2ـ الجدية في التعليم والتعلم.
3 ـ الاعتماد على النفس لا على الجنسية.
4 ـ الحصول على نفس الأجر لنفس الوظيفة (يقصد المواطنين والأخوة الوافدين).
5 ـ لا مانع أن تمنح الدولة مواطنيها قروضاً للإسكان وللزواج، ولكن ليس عليها أن تفسد سوق العمل بتدليل الإماراتي..» ثم يقول مختتماً «أقسم بالله لو تم ذلك فلن تجدوا عاطلاً»!
رسالة مصطفى، تعيدنا كرة أخرى للحلقة المفرغة، الثقافة السلبية عن الموظف الإماراتي الذي يتأخر دائماً، ولا يجيد إنجاز العمل، ويعتمد على جوازه وجنسيته، بينما الوافد يؤدي كل العمل، وهو الموظف المدلل من قبل حكومته، الـ (دلوع) جداً، ومع ذلك يأخذ راتباً أكبر ومزايا أحسن.. يبدو أن محاولات تصحيح هذه الصورة النمطية السلبية (ولا أنكر وجودها ولكن بعيداً عن التعميم الظالم) يشبه الأذان في مالطة يا أخ مصطفى!!.
