. من الحقائق الثابتة والراسخة التي يصعب نكرانها أو حتى مجرد التعرض لها بالتهميش والتحامل والجحود أننا في اليمن قد حققنا تقدما ملحوظا ومشهودا على الصعيد الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير واحترام حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية وأننا أيضا - سواء اعترف بعضنا أو لم يعترف - قد تجاوزنا الكثير من معوقات الممارسة الديمقراطية في الواقع المجتمعي بإثراء وتوسيع درجات المشاركة الشعبية في صنع القرار والسير بهمة عالية باتجاه تطوير التشريعات ذات الصلة بحرية الرأي والتعبير.

الأمر الذي انعكس في إلغاء القيود على إصدار الصحف وملكيتها وإدارتها وضمان تدفق المعلومات إلى المواطنين على نحو يتسم بالشفافية العالية التي قل ما نجدها في أي بلد من بلدان العالم الثالث، وهو ما تبرز ترجمته في العدد الهائل من الإصدارات الصحفية والتي باتت تشكل رقما هو الأعلى على النطاق الإقليمي عموما.

- وأمام هذه الوقائع والشواهد الحية فليس هناك مجال يمكن أن يبرر لأي طرف كان الإساءة لهذه التجربة الديمقراطية التي اقترنت بالإنجاز الوحدوي العظيم في الثاني والعشرين من مايو 1990م.

- والمؤسف حقا أن تعمد بعض الأطراف السياسية والحزبية إلى تسخير وسائلها الإعلامية لمحاولات التشويش والإساءة لنهجنا الديمقراطي واختلاق الزوابع والصراخ المفتعل في هذا الوقت الذي يحتفل فيه أبناء شعبنا بعيد أعظم انتصار حققه في تاريخه المعاصر، الأمر الذي يثير العديد من علامات الاستفهام حيال الدوافع لاختيار مثل هذا التوقيت بالذات من قبل تلك الأطراف السياسية والحزبية وكأن الهدف من ذلك الضجيج هو تعكير أفراح الوطن بالمكاسب التي أنجزها في ظل وحدته المباركة وتشويه صورة الوطن وإعاقته عن مواصلة نجاحاته التي تهيأت له في مؤتمر المانحين بلندن وكذا مؤتمر فرص الاستثمار الذي عقد بصنعاء في ابريل الماضي.

- وتبرز مؤشرات هذا الاستهداف في حيثيات الحملة الإعلامية غير المسؤولة التي يلحظ أي مراقب أن غالبية سهامها موجهة للنيل من سمعة اليمن وإثارة الغبار على نهجه الديمقراطي وإظهاره أمام العالم بصورة غير تلك الصورة الحسنة التي تظهره أنموذجا لبلد عصري استطاع أن يبلور خياراته ضمن رؤية وطنية وحضارية وإنسانية قوبلت بالمزيد من التقدير والإشادة والاحترام.

- ونعتقد أن تلك الأطراف السياسية والحزبية التي لجأت إلى مثل هذه الحملة المشبوهة ضد وطنها بعد أن استنفدت معظم وسائلها واستهلكت جميع أساليبها في ابتكار الأزمات قد غاب عنها أن ما تقوم به بات يتجاوز مسألة المناكفة الحزبية والإعلامية إلى ما هو أخطر ، إذ أنها بتلك الانفعالات باتت تلحق الضرر بالوطن الذي تنتمي إليه وتدعي أنها تعمل من أجل الدفاع عن مصالحه.

وبتحديد أكثر فإن على هذه الأطراف أن تعي وتدرك أنها ستكون مسؤولة أمام شعبها ومجتمعها عن أية مضاعفات تعيق الحكومة عن تنفيذ خططها الإنمائية والاقتصادية وترجمة وتطبيق ما تضمنه البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية والذي حمل الكثير من المفاهيم التي تنتقل باليمن إلى فضاء رحب من التطور والنماء والتحديث ، خاصة أن جميع أبناء الشعب يتمتعون بوعي عالٍ يمكنهم من التمييز بين من يسخر جهوده من أجل إنجاز تطلعاتهم وطموحاتهم في التقدم والرخاء .

وبين من يعبث بهذه الطموحات والتطلعات عبر خلط الأوراق واللعب على الحبال والعويل الزائف على الديمقراطية، مع أن جميع المواطنين لا يجهلون حقيقة أن من يشكون من ضيق الهامش الديمقراطي إنما يريدون بذلك ضرب المعنى الحقيقي للديمقراطية والمساس بقيم هذا المشروع الحضاري واستبداله بمشروع منفلت يشجع على الفوضى وتحويل هذا المجتمع بكل أطرافه وفئاته إلى إطار لا تحكمه ضوابط أو قوانين أو أنظمة.

مع أنه كان بإمكان تلك الأطراف استيعاب دلالات الديمقراطية ومرجعيتها وثقافتها من خلال التأمل في الكيفية التي يتعامل بها الآخرون في أعرق البلدان الديمقراطية وستكتشف بكل تأكيد أنه ليس هناك ديمقراطية متحللة من المسؤوليات والضوابط والموجهات الناظمة، وأن من يدعو إلى ديمقراطية بمعزل عن تلك الأسس إنما ينشد الانفلات وتعميم الفوضى التي تعني بكل المقاييس الخروج عن النص الديمقراطي.

- ومن الحصافة والرشد السياسي أن تعيد هذه الأطراف تقييم نفسها لكي تغدو معارضة من أجل خدمة الوطن ورفعته لتكون بذلك شريكا فاعلا في المشروع النهضوي الاستراتيجي لليمن الجديد.