يرفض رئيس الجهورية اللبنانية، أميل لحود، أن يصرح بما يعتزم القيام به عند انتهاء ولاية رئاسته في أكتوبر المقبل ويستمر في ترداد أنه سيقوم بما يمليه عليه ضميره والدستور اللبناني، ويتصرف كمن يخشى أن تتحول أفكاره إذا خرجت الى العلن الى واقع وتخلق حياة خاصة بها وتخرج بالتالي عن السيطرة.
والهواجس هذه التي تكتنف رئيس جمهورية لبنان تختصر الى حد بعيد هواجس العديد من اللبنانيين، فهو في الوقت الذي يفتخر بدحر القوات الإسرائيلية مرتين عن الأراضي اللبنانية خلال عهده إلا أنه يخشى أن لا يستطيع في النهاية أن ينقذ لبنان من الفوضى والانقسام.
وعلى الرغم من أن ما يردده رئيس الجمهورية لا يكتنفه الغموض، ذلك أن ما يطرحه يكون واضحاً لناحية تشكيله حكومة انتقالية موازية لحكومة السنيورة إذا لم يجر الاتفاق على حكومة إنقاذ، إلا أن الانعكاسات السلبية لهذا الأمر على لبنان وصيغة التعايش التي يقوم عليها تعني في واقع الحال نقل البلاد الى المجهول.
ولذا فإن الرئيس يدعو الى تبني مشروعه للحل سريعاً في سبيل درء احتمال تدهور أمني ستكون نتيجته الأولى التوطين، علماً أن أمراً كهذا يثير مخاوف فعلية لدى القيادات لاسيما المسيحية منها في لبنان، خصوصاً وأن التوطين لم يكن بعيداً عن التداول في فترة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري منذ سنوات في إطار ما كان مطروحاً على صعيد التسوية أواخر القرن الماضي وكحل يفضي إلى إلغاء ديون لبنان الذي كانت تهدده الأزمات الاقتصادية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل ما يطالب به رئيس الجمهورية يأتي في إطار التهويل أم أن الأمور فعلاً وصلت الى نهايتها المنطقية بعد أن أقرت المحكمة الدولية في مجلس الأمن وبالتالي فإن ما نسمعه على لسان الأطراف اللبنانية الآن إنما هو مشهد البازار الحكومي استعداداً للانتخابات الرئاسية؟
وفي المقابل، هل الأمور تتجه فعلاً نحو التأزيم خصوصاً وأن الحديث الحالي الخاص بتشكيل حكومة جديدة في لبنان يصطدم بعوائق حيث يعتبرها سعد الحريري مشبوهة في حين لا يوافق على تشكيلها حزب الله إلا بعد استقالة السنيورة؟
والملفت أنه في مقابل الأوضاع المتفجرة التي يشهدها لبنان في نهر البارد، تبدو الأمور وكأنها تتجه نحو التهدئة على صعيد المنطقة لا سيما في ظل الحوارات الجارية بين سوريا وإيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى حول العراق، وكانت التقارير الأميركية قد أشارت الى أهمية توفير بيئة إقليمية مستقرة ومتعاونة تهدئ الأوضاع في العراق وتتدارك دون انتقال شرارته الى دول الجوار.
وإذا كانت هناك مخاوف جدية أن لا يتمكن الفرقاء في العراق من إيجاد وسيلة لإيقاف الحرب الدائرة فيه، إلا أن هذا الأمر لا ينسحب على لبنان، خصوصاً وان الأطراف الأساسية فيه لا مصلحة لها في تقسيم البلاد أو تفتيتها.
وليس مطروحاً صفقة مع السوريين على حساب لبنان، والأميركيون يعرفون أن الحروب الأهلية من الصعوبة إنهاؤها. ونرى اليوم بوادر لقاءات تشير الى احتمال الوصول الى نوع من اتفاق ولو على رئيس يدير الأزمة ويمنع أي تدهور أمني، على الرغم من وجود أطراف تسعى جادة إلى إيصاله إلى المجهول.
لبنان اليوم في قلب التجاذبات، والخوف هو أن يتحول الصراع فيه وفي المنطقة الى تعقيدات إضافية أمام أي حل ممكن، خصوصاً إذا ما تم زج القضية الفلسطينية مجدداً كمسألة خلافية بين اللبنانيين واستغلال أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات اللبنانية وخلافاتهم لأهداف تفتح سبل الاستقواء بالخارج مما يزيد الأمور تأزيماً وتعقيداً.
إن مجمل الأطراف الأساسية في لبنان ليست مع ضرب مؤسسة الدولة اللبنانية، والمطلوب أن تميل إلى التواضع قليلاً أمام الأحداث التي تفجرت في نهر البارد، فوجود تنظيمات أصولية في لبنان أمر معروف، وهذه التنظيمات تزداد قوة في ظل المناخات السياسية التي تسببها سياسة الولايات المتحدة المعادية للشعوب في تقرير مصيرها، وهي تنشط منذ زمن وهناك من استفاد منها في السلطة في حملاته الانتخابية.
لكن أن تأخذ الأحداث هذا المنحى الدراماتيكي فلا بد أن في الموضوع من يستفيد من زج الجيش في معركة مع المخيمات الفلسطينية، خصوصاً وان الحساسيات ما زالت حاضرة لدى الفلسطينيين المحاصرين في مخيماتهم والممنوعين من مقومات الحياة الكريمة والذين يواجهون مشاعر عنصرية تعيد استحضار أرواح أقربائهم الذين لم تجر محاسبة مرتكبي الجرائم بحقهم، وهم في النهاية لن يوافقوا بأي شكل من الأشكال على أن يجردوا من سلاحهم.