بعيداً عن تلك المحاولات المختلفة لتعريف الطبقة الوسطى والتي تربطها دائماً بالطابع المهني والتجاري المحدود، فإن أهم ما يميز الطبقة الوسطي هو موقعها الوسيط بين الطبقات العليا الثرية والطبقات الدنيا الفقيرة.
وهذا الموقع الوسيط هو ما يمنح هذه الطبقة تنويعاتها الهائلة التي تظهر من خلالها مجتمعيا. فكل ما لا ينتمي للطبقتين العليا والدنيا يمكن وضعه ضمن الأطياف الواسعة المدى والمتنوعة للطبقة الوسطى. وهذا الطابع الوسيط لهذه الطبقة يلعب دوراً كبيراً في تحديد أخلاقيات الطبقة الوسطى مجتمعيا.
فالطبقة الوسطى بهذا الموقع المعلق غير المحدد والمتنوع تنوع المسافة الواسعة بين الثراء الشديد والفقر المدقع امتدت طموحاتها بين اللحاق المستعر بركب الأغنياء، وبين الخوف المستعر من الهبوط في درب الفقراء. هذا الصراع النفسي الحاد صبغ معظم سلوكيات الطبقة الوسطى بأشكال وألوان مختلفة ومتباينة تباين الرقعة الجغرافية والموقع المهني والتحولات التاريخية.
ومن الضروري التنويه هنا أن الكثير من أبناء الطبقة الوسطى قد قدموا من أصول فقيرة ومتواضعة جداً تقترب من حد الكفاف، مستفيدين من مشروعات الدولة التعليمية الواسعة النطاق، ومحققين نجاحاتهم المتواصلة بفضل مكتسبات التعليم من ناحية، واحتياج أجهزة الدولة الناشئة لهم من ناحية أخرى.
وتطرح مسألة الأصول الاجتماعية هذه العديد من الأسئلة التي ترتبط بتأثير هذه الأصول والذكريات المرتبطة بها على أخلاقيات هذه الطبقة والسلوكيات المختلفة التي تنتهجها.
ويمكن طرح التساؤلات التالية: هل تدفع الأصول الاجتماعية الفقيرة والمتواضعة أبناء الطبقات الوسطى للمزيد من الانتهازية، أم أنها تزيدهم صلابة وتدفعهم لاكتساب قيم اجتماعية جديدة وحيوية يغيرون من خلالها مجتمعاتهم ويطورونها؟
هل يدفع الحراك الاجتماعي والانتقال من الأصول الاجتماعية الفقيرة والمتواضعة أبناء الطبقة الوسطى لاكتساب قيم جديدة مخالفة لما نشأوا عليه، أم أنهم يحتفظون بقيم الفقر والحرمان التي عايشوها، بحيث تظل تطاردهم، مهما بلغت بهم درجات الحراك الاجتماعي؟
أسئلة عديدة لا يملك المرء لها إجابات جاهزة وفاصلة فيما يتعلق بمسألة الأصول الاجتماعية. وهو الأمر الذي يؤكد على أهمية إجراء العديد من الدراسات الاجتماعية في مناطق وسياقات اجتماعية مختلفة في العالم العربي حتى يمكن التحقق من صدقية الإجابة عن هذه التساؤلات.
ورغم ما قدمته الطبقة الوسطى في العالم العربي على امتداد تاريخها الطويل الذي بدأ منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى الآن، فإنها كانت آفة العالم العربي من حيث انتهازيتها الهائلة وخنوعها غير المبرر، وبشكلٍ خاص إزاء السلطات السياسية الحاكمة.
صحيح أن صعود وهبوط الطبقة الوسطى تم بالتلاقي مع المشروعات النهضوية للكثير من الأنظمة الحاكمة في العالم العربي إلا أن هبوطها كان مرتبطاً أيضاً بانهيار هذه المشروعات النهضوية. وفي كلا الحالتين لم تستطع الطبقة الوسطى أن تؤسس مشروعاتها الخاصة بها، كما لم تستطع أن تستقطب العناصر الفاعلة والوطنية في الطبقتين العليا والدنيا.
في كل الأحوال كانت عيون هذه الطبقة مسلطة على مصالحها الضيقة الخاصة بها، ولم تمد هذه المصالح إلى امتداد المجتمع ككل. وهو الأمر الذي أفقدها في أحيان كثيرة ثقة الآخرين بها، بمن فيهم النظم السياسية الحاكمة التي تعلم تمام العلم بآفة هذه الطبقة وبانتهازيتها المرتبطة بها، وبالصراعات القائمة بين الفصائل التي تنتمي لها.
ففي ستينات القرن الماضي ارتبطت الطبقة الوسطى بالمشروع الناصري الوطني، استفادت منه وأفادته في الوقت نفسه، لكنها كانت تابعة له تبعية مطلقة أفقدتها قدرتها على نقد النظام واستبداده المفرط. وهو الأمر الذي أحالها في النهاية إلى مجرد بوق للنظام، رغم وجود بعض الحالات المتفرقة المعارضة له.
لقد صمتت مساحات واسعة من أبناء هذه الطبقة ضد افتراس النظام لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، ولم تبادر للدفاع عن مسألة الحريات المدنية والكبت المتواصل ضد الجميع.
وهذه المجموعات الهائلة الصامتة دفعت الثمن نفسه حينما ألقى النظام بالعديد من أفرادها خلف قضبان السجون وأبدع في تعذيبها. ومن الغريب في الأمر أيضاً أن هؤلاء الصامتين المنتفعين من أبناء الطبقة الوسطى جربوا تقلبات النظام ذاته في عهد السادات، حينما أدار لهم ظهره.
وفتح الباب على مصراعيه للإسلاميين الناقمين على نظام عبد الناصر الستيني. كما أنه أدار ظهره للمثقفين الذين ينتمي غالبيتهم لأبناء الطبقة الوسطى، وفتح الباب على مصراعيه للفئات الكومبرادورية التي أفرزت أسوأ عناصر الطبقة الوسطى من التجار الانتهازيين ومدعي الثقافة الخانعين.
هذه الانتهازية التي يمكن تلمسها بسهولة على المستوى السياسي الكبير ما بين ستينات وسبعينات القرن الماضي في مصر، لها العديد من التجليات التي استحالت إلى نمط حياة يومي لأبناء هذه الطبقات. وهنا تكمن أهمية علم الاجتماع الذي يجب أن يوقف العديد من الدراسات الميدانية لرصد الكيفية التي انتقلت بها الممارسات الانتهازية السلبية من المستوى السياسي الواسع إلى المستويات الاجتماعية الحياتية اليومية.
فإذا كان من السهولة بمكان رصد هذه الانتهازية على المستوى السياسي الواسع، فإنه من الصعوبة بمكان رصدها على المستوى الاجتماعي المحدود. وتنبع هذه الصعوبة من شبكة العلاقات المتداخلة بين كافة الطبقات الاجتماعية من ناحية وبين جميع هذه الطبقات والمستويات الرسمية الحاكمة من ناحية أخرى.
ورغم ذلك سوف نجازف من خلال ملاحظات الحياة اليومية بمحاولة أولية لتحديد بعض أخلاقيات الطبقة الوسطى، التي قد تتفق مع بعض السياقات العربية، وقد تختلف مع بعضها الآخر، والتي توجد بنسب متفاوتة بين السياقات الاجتماعية العربية المختلفة.
تخلق تلك الحالة المعلقة بين الطبقة العليا الثرية وبين الطبقة الفقيرة المعدمة قلقاً دائماً لأبناء هذه الطبقة يؤدي إلى تشكيل كافة السمات والخصائص التي تتسم بها هذه الطبقة.
ولعل هذا يتمثل بشكلٍ قوي في ذلك الإحساس المسيطر على أبناء هذه الطبقة أنهم الأفضل مجتمعيا، وأنهم الأكثر احتراماً والأكثر قدرة على تعليم أولادهم الأخلاق الحميدة. ورغم حالة النهم المادي التي تصيب أبناء هذه الطبقة فإنهم دائماً ما يقررون أن الأخلاق أهم من المادة، وأن القناعة كنز لا يفنى.
وعلى ما يبدو أن الأخلاق وما يرتبط بها من جانب أبناء هذه الطبقة هي المعادل الموضوعي الذي يستطيعون به ومن خلاله مواجهة عجزهم عن أن يصلوا لمشارف الطبقات العليا الثرية، وأيضاً تأمين الغد والمستقبل خشية الانجراف نحو الطبقات الفقيرة المعدمة.
فهم من ناحية يستدمجون خطاب القناعة المحمل بالعديد من الدلالات الدينية من أجل أن يثبتوا لأنفسهم أن أوضاعهم جيدة وأفضل من غيرهم، وأنهم على الأقل الأكثر حفاظاً على القيم الأخلاقية والدينية على السواء.
ومن ناحية أخرى يؤمن لهم هذا الخطاب إحساساً آخراً بالزهو والافتخار من ناحية أفضلية أوضاعهم مقارنة بأوضاع الفقراء. وفي كل الأحوال تصبح ركائز هذا الخطاب »بأننا الأفضل من الجميع«، فنحن في الوسط تماماً من كل شيء. معادلة مريحة لمواجهة الذات والمجتمع والظروف والعالم الآخر!!
يفضي ما سبق إلى خطاب ادعائي على كافة الصعد التي ترتبط بممارسات أبناء الطبقة الوسطى. فنحن الأفضل، ونحن الأكثر نقاءً وأخلاقاً، وأننا غير مرتشين، وأننا غير مفسدين، وأننا نساعد الآخرين، وأن الجميع يحبوننا، وأن سمعتنا تملأ أرجاء السياق المحيط احتراماً وتقديراً... إلخ من ألوان هذا الادعاء الذي يمتلئ بالكذب والنفاق والرياء، ولا يمت لحقيقة الأمور بصلة.
ومن الغريب في الأمر أن أصحاب هذا الخطاب الادعائي يصدقون أنفسهم، كما يصدقهم الآخرون، أو يكذبونهم في قرارة أنفسهم، لكنهم، وضمن مؤامرة الادعاء العامة، لا يملكون سوى ادعاء التصديق والانغماس فيه. ومن اللافت للنظر أن معظم المنتمين للتيارات الدينية المختلفة في العالم العربي قادمون من بين صفوف الطبقة الوسطى الأكثر احتفاء بخطاب الأخلاق والتدين المظهري الادعائي.
ويرتبط بهذا الادعاء قدر كبير من الغطرسة والتعالي، وهما يرتبطان بمستويات جهل وغباء نادرين. في هذا السياق ليس من اليسير هنا قبول الحوار والاستفادة منه وتطويره، أو قبول النصح والتعامل من خلاله، أو تقدير الذات بدرجة كبيرة من الموضوعية في مواجهة الآخرين.
فحينما ينظر المرء من خلال ذاته المتضخمة لن يرى سوى نفسه، وهو للأسف الشديد حال الكثير من أبناء الطبقات الوسطى التي تلف وتدور في متاهات حياتها، ولا تجد التسليم سوى بأهميتها، رغم كل ما تعانيه من ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية حادة وضاغطة.
يفضي ما سبق لتعارضات ممارسات هذه الطبقة، فبسبب من ادعاءاتها الكاذبة وغطرستها الواهية، فإنها تقع في العديد من التناقضات الحادة والصارخة في الوقت نفسه. فرغم الطابع الأخلاقي لأبناء هذه الطبقة فإنها تتوحد مع خطاب الأغنياء وأصحاب السلطة وتبتذل ذاتها في وجودهم بدرجة غير معقولة.
ورغم أصولهم الطبقية المعدمة فإنهم يترفعون عن التعامل مع الفقراء إلا من زاوية الطقوس والشعائر الدينية التي تمنحهم نوعاً من الاسترخاء النفسي وقبول تلك الممارسات المتناقضة.
ويمكن رصد العديد من هذه السلوكيات المختلفة التي تتراوح بين التوحد مع التسلط والاستئساد على الضعيف عبر العديد من المؤسسات الرسمية وغيرها من تعاملات الحياة اليومية العابرة والمستمرة على السواء.
ويفضي الموقع الوسطي لأبناء الطبقة الوسطى بإمكان تحولاتهم الفكرية والأيديولوجية بسهولة منقطعة النظير. فمرونة الموقع والتحولات الحراكية التي تكتنف أبناء هذه الطبقة، تجعلهم يتحولون من موقع فكري لآخر، ليس عن قناعة راسخة.
ولكن لارتباطات نفعية بالأساس. ويرتبط بذلك تلك القدرات التبريرية الهائلة التي يتمتع بها أبناء هذه الطبقة، وبشكلٍ خاص من بين المثقفين. فلكل تصرف التبريرات التي يسوقونها من أجل إقناع أنفسهم به أولاً والآخرين ثانياً.
ورغم بعد المسافة بين تيار فكري وآخر وبين توجه سياسي وآخر وبين أيديولوجيا وأخرى فإن أبناء هذه الطبقة لهم القدرات التبريرية غير العادية على الإقناع، حيث تتعدد تلك التحولات بتعدد المواقع المختلفة والمتنوعة لأبناء هذه الطبقة.
لا يمكن رغم كل ما سبق التقليل من شأن الطبقة الوسطى في العالم العربي. ففي الطبقة الوسطى، رغم كل الآفات التي لحقت بها في العقود الثلاثة الأخيرة، يكمن الأمل وينبت المستقبل.
لكن رغم ذلك فإن الطبقة الوسطى، من موقع حساسيتها البالغة لما يحدث في المجتمع، كانت أكثر الفئات المتأثرة بحجم التغييرات التي حدثت في العالم العربي، والتي جاءت بالسلب أكثر من الإيجاب. وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد على ضرورة استعادة بريق وجوهر هذه الطبقة من أجل تأسيس مستقبل حقيقي وواعد لهذه الأمة المنكوبة، والله أعلم.
كاتب مصري