متى يكون إغلاق محطة تلفزيونية خاصة مشروعا؟
والإجابة هي:
أولا، أن يكون أمر الإغلاق صادراً عن سلطة منتخبة في إطار نظام ديمقراطي تعددي.
وثانيا، أن المحطة تدعو إلى تدمير النظام الديمقراطي.
السؤال مطروح بمناسبة توقف محطة تلفزيون »كاراكاس« الخاصة في فنزويلا بصورة نهائية واضطرارية بعد أن ألغى الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز ترخيصها.
الرئيس شافيز ـ ابتداء ـ ليس دكتاتوراً متسلطا يحكم بالحديد والنار، أو أوتوقراطيا، جدد الحكم لنفسه بنسبة 99.999 في المئة، إنه زعيم شعبي اكتسح عملية تنافسية انتخابية هو وحزبه، شهد بنزاهتها وحريتها في إطار التعددية الديمقراطية الليبرالية الخصوم قبل الأصدقاء.
بطبيعة الحال هناك معارضة في فنزويلا، وأحزاب المعارضة لها بطبيعة الحال أيضا وسائلها وأدواتها. ومن بين أدواتها الإعلامية محطة تلفزيون كاراكاس وفي ظل نظام ديمقراطي ليبرالي تعتبر معارضة الحكم أمراً مشروعاً طالما التزمت المعارضة بمبدأ قدسية النظام الديمقراطي.
لكن محطة كاراكاس سقطت في أول اختبار عندما دعت أولا الجيش إلى استحداث انقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة، وسقطت ثانيا عندما وقع انقلاب بالفعل، فقد سخرت المحطة كل مواردها الإعلامية لتأييد الحكومة الانقلابية ودعوة الناس إلى تأييدها.
غير أن المحطة كانت سيئة الحظ، فالحكم الانقلابي لم يعمر سوى بضعة أيام، وعندما استرد الرئيس الشرعي شافيز سلطته، كان ذلك إيذانا بنهاية عمر محطة كاراكاس. فلا مكان في نظام ديمقراطي لمن يساهم في تدمير النظام الديمقراطي نفسه.
هنا ربما يطرح تساؤل: هل تصرف الرئيس شافيز نفسه بطريقة قانونية تجاه المحطة، أما كان عليه أن يرفع أمر المحطة إلى المحكمة الدستورية، ليقرر القضاء ـ لا الرئيس ـ مصير المحطة؟
شافيز لم يكن بحاجة إلى دعوى قضائية، إذ أن مدير المحطة مارسيل غرانييه لم يسعه سوى الاعتذار العلني للرئيس شافيز ولحكومته والشعب الفنزويلي. كان الاعتذار العلني خياره الأوحد حيث أنه لا سبيل لإنكار دعوة تلفزيونية إلى تأييد نظام انقلابي تبث لمدى أيام متصلة عبر الأثير، على أن قصة شافيز مع محطة كاراكاس تتجاوز حدود الجدل الإعلامي المحلي. فهي تدخل ضمن الإطار الأوسع للعلاقة المتوترة بين فنزويلا والولايات المتحدة.
المحاولة الانقلابية الفاشلة المشار إليها ضد النظام الديمقراطي في فنزويلا كانت في حقيقة الأمر تدبيرا أميركيا للتخلص من رئيس يعتنق نهجا اشتراكيا في الداخل وتوجها استقلاليا في الخارج، خاصة تجاه التعامل مع الولايات المتحدة نفسها. وأكثر ما تخشاه واشنطن هو انتقال هذه »العدوى« لتعم كافة بلدان أميركا اللاتينية.
لقد انتقلت »العدوى« بالفعل حتى الآن إلى ثلاثة بلدان ـ بوليفيا ونيكاراغوا وإكوادور. وحتى قبل ظهور شافيز ابتدرت كوبا كاسترو رفع الراية الاستقلالية، وربما تمتد إلى المجموعة في وقت لاحق الأرجنتين وتشيلي.
وفي الأسبوع الماضي أعلن رئيسا إيران وبيلاروسيا في بيان مشترك تضامنهما مع هذه المجموعة اللاتينية المتمردة على الامبريالية الأميركية.هذه هي الخلفية التي ينبغي أن نقرأ على ضوئها قصة محطة تلفزيون كاراكاس.