أصبح الجميع في لبنان يتحدث عن خطوط حمر لمعالجة الأزمة الحالية الجارية في مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام». فريق الموالاة أعلن عن دعمه المطلق لأي قرار يتخذه الجيش اللبناني لحل الأزمة الراهنة وصور المعارضة اللبنانية على أنها تدعم موقف جماعة «فتح الإسلام» قاصداً التشكيك بموقفها الوطني بل ذهب بعيداً إلى حد اتهامها بالدفاع عنها لصالح سوريا.
رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط أحد أهم أركان الموالاة، أو ما يعرف «بفريق 14 آذار»، رأى أن الاشتباكات بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام» الأصولية في المخيم إنما جاءت «لإلهاء الجيش عن مهمته الوطنية في حماية الحدود ومراقبة الحدود اللبنانية ـ السورية ولتثبيت الأمن ومراقبة تهريب السلاح».
كما أنها أرادت خلق المتاعب لحكومة فؤاد السنيورة بهدف الحيلولة دون قيام المحكمة الدولية التي ستحاكم قتلة رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، وقد اعتبر النائب جنبلاط أن هناك خطوطاً حمر عديدة يراد تجاوزها من قبل سوريا والأطراف اللبنانية المعارضة التي يراها جنبلاط أدوات سورية تريد تنفيذ مخططات إقليمية لصالح إيران وسوريا. وقد حدد جنبلاط الخطوط الحمر في المحكمة الدولية تحت الفصل السابع وبتطبيق القرار الدولي 1701 ومراقبة دولية للحدود اللبنانية ـ السورية وترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية والعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا ومصادرة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ولكن ألا تفتقر كل هذه الاتهامات إلى الأدلة الدامغة؟
تشير العديد من الاستجوابات لناشطين من جماعة «فتح الإسلام»، الذين ألقي القبض عليهم، إلى احتمال وجود علاقة بينهم وبين جهات لبنانية حاكمة. وكيف يكون ذلك وقد قضى زعيم جماعة «فتح الإسلام»، المدعو شاكر العبسي، سنوات عدة من عام 2002 إلى عام 2005 في السجون السورية. إنه نموذج للأصولي المتشدد الذي حاربه النظام السوري منذ عقود، وأمثاله يكرهون ويحرمون التعامل مع النظام السوري بقيادة حزب البعث، لأسباب ايديولوجية وطائفية.
الباحث والمحلل السياسي البريطاني باتريك سيل أكد أن بعض المراقبين من الخبراء العارفين بتعقيدات المشهد اللبناني إلى أن السنة في لبنان كانوا يشعرون دوماً بضرورة أن تكون لهم قوة مسلحة مستقلة خاصة بهم.
وذكر أن «الشيعة لديهم «حزب الله» الذي يتمركز في الضاحية الجنوبية لبيروت، والمسيحيون المتشددون كانت لهم، وربما لا تزال، قاعدتهم المسلحة في الأحياء الشرقية من العاصمة»، وأضاف سيل أنه كان السنة اللبنانيون يعتمدون على القوة الفلسطينية في السبعينيات، ولكن موقفهم أصبح ضعيفاً بفعل عدم وجود ميليشيا خاصة بهم منذ طرد منظمة التحرير الفلسطينية عام 1983.
إضافة إلى ذلك، فالسنة في لبنان غالباً ما شعروا بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على الجيش المتنوع طائفياً والمحايد عادة إلى درجة كبيرة. لقد حاول الرئيس الراحل رفيق الحريري أن يشكل قوة الأمن الداخلي على أن تكون سنية في غالبيتها ومزودة بجهاز استخبارات خاص بها، لتكون موازية للجيش، ولكن هذه التجربة لم تكن ناجحة تماماً.
ويرى بعض المحللين أن جماعة أصولية مثل «فتح الإسلام» كانت مقبولة في البداية من قبل السنة في لبنان، بل لعلها كانت ممولة من قبلهم، إذ كانوا يرون فيها نواة لميليشيا يحتاجون إليها. وكانوا متشوقين إلى أن يكونوا قادرين على إثبات أنهم يمكن أن يقفوا في وجه الشيعة وسوريا معاً.
ولكن حين تحولت جماعة «فتح الإسلام» إلى عصابة من المجرمين، متورطة في سرقة البنوك، وأعمال عنف أخرى، وحين اخترقها «الجهاديون» الأجانب، لم يكن بوسع الفريق السني في تحالف حكومة السنيورة أن يتساهل معها أو أن يبدو على صلة بها، وهكذا سمح للجيش أن ينقض عليها.
الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وأحد أهم أقطاب المعارضة أكد في حديث له عبر قناة المنار قبل أيام قليلة أن الجيش اللبناني خط أحمر باعتباره حامي الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية. ولكن السيد نصر الله أكد أيضاً أن مخيم نهر البارد والمخيمات الفلسطينية هي خط أحمر لوجود مدنيين فلسطينيين ليس لهم علاقة بالاشتباكات الجارية.
وهو بذلك كان يرد على رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي اتهمه بأنه دعا لاقتحام المخيم منذ الأيام الأولى للاشتباكات. والهدف من إعلان مخيم نهر البارد على أنه خط أحمر يكمن في حماية أكثر من 30 ألف مدني فلسطيني من خطر الاقتحام في حال قرر الجيش اللبناني اعتقال مسلحي «فتح الإسلام».
واعتبر السيد نصر الله أن أي قرار باقتحام المخيم هو بمثابة «تضحية بالجيش اللبناني وبالشعب الفلسطيني وبلبنان، وهذا ليس دفاعاً عن مجموعة فتح الإسلام». واعتبر أن المعالجة السليمة للأزمة الحالية يجب أن تكون سياسية وأمنية وقضائية تحفظ الجيش وهيبة الجيش وموقعه ودوره ويحميه من زجه في معركة الكل يعرف أخطارها وتداعياتها.
المؤكد أن القتال العنيف الذي اندلع في شمال لبنان بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام» أضفى على الأزمة اللبنانية بعداً جديداً وخطيراً: أنه تهديد جديد للحكومة اللبنانية الهشة، الموالية للغرب والمحاصرة داخلياً من قبل المعارضة اللبنانية المسيحية والإسلامية وغيرها.
وهذا يؤكد كثيراً من الاستنتاجات التي وصل إليها العديد من السياسيين والمحللين اللبنانيين والعرب والدوليين في أن الحكومة اللبنانية التي تقود البلاد منذ أكثر من سنتين فشلت في معظم الملفات الأساسية والهامة المتعلقة بالشأن اللبناني الداخلي كالأمن والاقتصاد ومحاربة الفساد ووحدة الصف اللبناني وخارجياً في بناء علاقات لبنانية ـ سورية على أسس واضحة ومتينة.
كما أن هذا الوضع المتفجر فجأة والذي هو الأسوأ في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990، هو نتيجة محتومة لفشل السياسة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ـ وخاصة تجاه الشرق الأوسط ـ عن طريق إيجاد تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين المأسوية، المتفرعة عنه وعدم التدخل بالشؤون الداخلية لهذه الدول.
لقد أعاد الوضع المتفجر أخيراً في لبنان إلى ذاكرة المجتمع الدولي بمن فيه العالم العربي بوجود 13 مخيماً فلسطينياً في لبنان، يعيش فيها أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني، في حالة من الفوضى العارمة، وتحت خط الفقر، حتى أن هذه المخيمات تتحول أحياناً إلى بؤر لعدم الاستقرار لأن الفقر واليأس، كما هو الأمر دائماً، هما المولدان الرئيسيان للعنف والتطرف.
إن الخطوط الحمر التي حددها كل فريق حسب رؤيته وتجربته ومصالحه ومصالح القوى الخارجية لا تخفي حقيقة أن لبنان يسير نحو المجهول، لأنه لم يعد بمقدور أحد في داخل لبنان أن يمنع طرفاً آخر بتجاوز ما يسمى بالخطوط الحمر التي كانت إلى وقت قريب قضايا لا تختلف عليها معظم الفرقاء اللبنانيين قبل الغزو المتدرج القادم من الغرب ومن الولايات المتحدة على وجه التحديد.
كاتب وباحث سياسي