حين انهار حائط برلين لم يطل غباره الدول الأوروبية المحيطة بألمانيا فقط، بل امتد إلى شتى الأصقاع، آخذا نمطين سياسيين محددين الأول يتعلق بما أطلقت عليه الأدبيات السياسية وقتها «رياح الديمقراطية» أو «الموجة الثالثة للديمقراطية»، حسب تعبير الباحث الأميركي صمويل هنتنغتون.

أما الثاني فيرتبط بتأثير التحول الذي شهده النظام الدولي على التفاعلات السياسية البينية للدول، من جهة، وعلاقاتها بالوحدات الدولية الكبرى في عالمنا المعاصر، من جهة ثانية. وفي خضم هذا المد، ليس من قبيل المبالغة القول إن العرب هم أكثر الأمم تأثرا بالشق الثاني من هذه التحولات.

فقد وقع أقوى مشهد في مظاهر رحلة التبدل من النظام الذي يعتمد على القطبية الثنائية على أرض عربية، حيث حرب الخليج الثانية التي ترتبت على الغزو العراقي للكويت. فهذه الحرب بقدر ما أجهضت النشاط الذي كان قد أخذ يدب في أوصال النظام الإقليمي العربي، بعد عودة العلاقات بين مصر والدول العربية وقيام «مجلس التعاون العربي» بين مصر والعراق واليمن والأردن.

فإنها أعطت الولايات المتحدة فرصة لتبرهن للعالم أجمع أنها صارت القوة الأكبر في العالم، التي يمكنها أن تتحرك لحسم «نزاع إقليمي» عسكريا، وتمثل «نواة» أو «مركزا» لتجمع أو تكتل دولي يتحرك في اتجاه حماية مصالح حيوية عالمية، تتمثل هنا في النفط الخام.

وقد اصطدم العرب بهذه الحقيقة، فقبلها بعضهم، وتعامل مع الأمر الواقع، الذي يعني هنا أن الولايات المتحدة، دون غيرها، هي التي بيدها الجزء الأكبر من أوراق أي «لعبة سياسية» في المنطقة، مستعيدا بذلك الرهان أو المقولة القديمة التي كان قد رددها الرئيس أنور السادات. وبذا صارت واشنطن هي «الراعي الأساسي لعملية السلام» في المنطقة بعد أن كان مؤتمر مدريد الذي انعقد عام 1991 قد أشرك موسكو معها في هذه المهمة،

لأن روسيا وقتها، وريثة الاتحاد السوفييتي السابق، كانت لا تزال تحمل «صورة» الطرف الدولي الكبير والقوي الذي لا يمكن تجاوزه. لكن بمرور السنوات أظهرت الأحداث أن هذا الطرف ضعف بما لا يمكنه من أن يجابه السياسية الأميركية كما كان عليه الحال في الماضي، بل إنه وقع في فلكها، حين بات عليه أن يقدم تنازلات سياسية متتابعة مقابل مساعدات اقتصادية معينة.

أما أوروبا الموحدة فهي إن كانت تمتعض من السياسات الأميركية، فإنها تجد نفسها مضطرة للسير وراء واشنطن والقبول بقيادتها، وهي لا تطمح إلى أكثر من أن تقبل الولايات المتحدة إشراكها بشكل أكبر قليلا في بلورة القرار الدولي.

ومن هنا انفردت الولايات المتحدة بإدارة ملفات عدة في العالم، في مقدمتها ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الذي يراوح بين شد وجذب، وكرب وانفراج، وتفاوض ومواجهة مسلحة، حتى جاء الاجتياح الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في التاسع والعشرين من مارس عام 2002 .

ليفضح تنسيقا أميركيا كاملا مع إسرائيل، تعدى حد «إقرار الفعل» أو إعطاء «الضوء الأخضر» إلى التنسيق المشترك، لتنفيذ سياسات بعينها في منطقة الشرق الأوسط، ثم أتت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان لتبرهن بجلاء على هذا التنسيق، بل إن إسرائيل خاضت هذه الحرب وكيلا عن أميركا.

وبالنسبة للصين فإنها غير منشغلة بأن تمارس دور الدولة القائد عالميا على الصعيد الأيديولوجي، كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي، وذلك في عالم فقدت فيه الأيديولوجيا الكثير من جاذبيتها. ويقتصر توظيف الصين لقوتها العسكرية النووية على تحقيق ردع محدود يرتبط بمصالحها الحيوية ذات الطبيعة الإقليمية، وليس الدولية.

في الوقت ذاته فإن العقيدة الأمنية الصينية إقليمية أكثر منها دولية، ولذا لا تبدو قادرة على مسايرة المشكلات العالمية إلا بالقدر الذي يرتبط بمفهومها للأمن الوطني الصيني فحسب. وإذا كانت بكين قد حققت إنجازات اقتصادية فإنها لا تزال تواجه مشكلات حدية وهيكلية في ظل حجم ديموغرافي هائل. وكل هذه العوامل تحول دون أن تشكل الصين ـ حتى الآن ـ قطبا دوليا منافسا بقوة للولايات المتحدة، أو على الأقل قادرا على تحجيمه أو كبح جماحه في بعض المواقف والأحيان.

في المقابل فإنه علاوة على القدرات الاقتصادية للولايات المتحدة، فإن تطور إمكاناتها العسكرية بشكل مذهل، أسهم في تكريس انفرادها بقيادة العالم، خاصة أن واشنطن تمكنت من حل معضلات مهمة أمام قوتها العسكرية كانت تحول دون تعاظم هيمنتها، ومنها مسألة نشر القوات في أماكن بعيدة.

فبعد أن استغرق نشر قوات كافية لإجبار الجيش العراقي على الخروج من الكويت في عمليتي «درع الصحراء» و»عاصفة الصحراء» ستة أشهر كاملة بات بوسع واشنطن، مع تعزيز درجة الاستعداد والجاهزية، أن تقوم بهذه المهمة في مدة تتراوح بين ثلاثين وستين يوما فقط.

الأمر الذي حدث بالفعل بعد حادث الحادي عشر من سبتمبر، حين تمكنت الولايات المتحدة في وقت قصير من تشكيل تحالف دولي مناهض للإرهاب وتهيئة مسرح العمليات ثم الشروع في شن غارات على قوات حركة طالبان وتنظيم القاعدة. وحدث الأمر نفسه قبل احتلال العراق.

ومع ذلك هناك من يصر على أن الولايات المتحدة لا تنفرد وحدها بتقرير الأمور في السياسة الدولية، وأننا لا نزال على أبواب نظام دولي متعدد الأقطاب، ينتظر بزوغه بين لحظة وأخرى، لاسيما بعد التوعك الأميركي في العراق وأفغانستان.

وهذه الأقطاب قد تكون أوروبا الموحدة، التي تقترب قدراتها الاقتصادية مجتمعة من القدرات الأميركية، أو اليابان، إذا استخدمت تقدمها التقني في إنتاج الأسلحة، علاوة على إمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، وتوافرت لديها الإرادة السياسية أو اقتضت مصالحها أن تقول «لا» للولايات المتحدة، على حد تعبير الباحث الياباني شنتاروا إيشهارا، الذي يعبر هنا عن تيار داخل المجتمع الياباني يكسب أرضا جديدة كل يوم.

وإذا كان الوضع الحاضر لا يشهد بروز إحدى هذه القوى في وجه الولايات المتحدة فإن هناك من يتوقع أن يحدث هذا في المستقبل المنظور. وهنا يقول المفكر الأميركي لستر ثرو «في النصف الثاني من القرن العشرين كانت أميركا هي المحرك، وكانت اليابان وأوروبا تكتفيان برد الفعل.

وفي النصف الأول من القرن الحادي والعشرين ستنعكس الأدوار. وتبدأ أميركا القرن الحادي والعشرين وهي في المرتبة الأولى، ولكنها فقدت الريادة الهائلة التي كانت لها في النصف الأخير من القرن العشرين. وسوف تنجح أو تفشل في القرن المقبل بناء على مدى ما تتعلمه من كيفية لعب المباريات الاقتصادية الجديدة التي يحددها الأوروبيون واليابانيون».

وفي ظل المعطيات المطروحة على الساحة الدولية حاليا ليس أمام العرب من سبيل سوى التعامل مع الواقع، إذ إن الاستسلام لرهانات لم تتشكل ملامحها كلية بعد أو التعويل على تحولات في النظام الدولي من الممكن ألا تتم بالصورة المطروحة سلفا، يعني جني خسارة محققة.

والأفضل أن يكون هذا التعامل بناء وإيجابيا، ينقل النظام الإقليمي العربي من رد الفعل إلى الفعل ومن الاكتفاء أن يكون «متلقيا وقابلا» إلى أن يكون «منتجا وفاعلا» في حقل السياسات الدولية، عبر استغلال الوضع الجديد الذي رتبته حركة المقاومة العربية من العراق إلى فلسطين مرورا بلبنان، والتي أثبتت أننا أمة لم تمت بعد، وأن بوسعنا أن نفعل الكثير، إن اتحدت الإرادات وصدقت النوايا.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة