ثوابت الأمة التي حافظت عليها قرونا طويلة وسمحت لها بالبقاء وعدم الاندثار كغيرها من الامم البائدة تبدو الآن في مهب الريح، حيث تم افراغها من مضامينها وتسخيرها لاهداف أخرى غير المعلنة. فما الذي بقي من المقاومة بعد الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني وبعد أحداث مخيم نهر البارد.

وبعد التماحك المستمر في لبنان.. وبعد ظهور الجماعات المختلفة في العراق التي تقتل المدني قبل العسكري وتفرق ولا تجمع. لقد شعرت بالأسى وأنا استمع لأحد قادة فتح الاسلام وهو يقول إن هدفه مقاومة اسرائيل؟ وهل مقاومة اسرائيل تنطلق من شمال لبنان، وهل مستوطنة كريات شمونة على مرمى القنص من مخيم نهر البارد؟

وهذا القول يشبه ما كان بعض الفلسطينيين الذين التحقوا بما يسمى بالمجاهدين الافغان قبل سقوط النظام الماركسي حيث كانوا يقولون ان الطريق الى القدس تمر عبر كابول أي أنه بعد تحرير افغانستان ستكون الخطوة التالية تحرير القدس.. وهو شعار يشبه شعارا رفعه النظام العراقي السابق عندما اجتاح الاراضي الايرانية واعلن ان الطريق الى عبادان تمهد الطريق الى القدس.

وعندما اجتاح الكويت اعلن ان الطريق الى القدس تمر في الكويت.. وهو ما كانت بعض الفصائل الفلسطينية ترفعه في اوقات سابقة من ان الطريق الى فلسطين تمر عبر عمان او بيروت او دمشق.. إنها شعارات واهية تستخدم المقاومة وفلسطين لتمرير او تبرير جرائم.

مثلها مثل اقامة دولة عربية لا حدود برية او بحرية لها مع اسرائيل ولكنها تقيم علاقات بحجة مساعدة الشعب الفلسطيني.. وهي في الاساس رضوخا للاملاءات الاميركية. اذن، شعار المقاومة لم يعد جذابا أو ذا مغزى بعد افراغه من مضمونه وتسخيره لأهداف اخرى.

وأذكر هنا ان القائد الفلسطيني الراحل صلاح خلف «ابو اياد» عندما زار بغداد بعد اجتياح الكويت وسمع صدام يرفع شعار الطريق الى القدس تمر من الكويت فسأله لا أفهم يا سيادة الرئيس كيف يمكن ذلك بتجويع 400 الف فلسطيني في الكويت وتشريد الكويتيين.

وهنا استشاط صدام غضبا وكاد يأمر باعدام ابو اياد الذي سارع الى الفرار بعد اللقاء وغادر العراق واغتيل ليلة بدء الحملة الاميركية على العراق. شعار المقاومة تم تسفيهه حتى لم يعد أحد يؤمن به.. فكيف يمكن في الحالة الفلسطينية تحرير فلسطين والشعب الفلسطيني في صراع دام داخلي؟ ويعاني الجوع والحصار؟

ومن سيقاوم، ولماذا لم تستطع فصائل المقاومة تنفيذ ما وعدت به من عمليات استشهادية؟ لأن روح المقاومة خبت شعار القومية هو الآخر تم افراغه من مضمونه لأن الانظمة التي تبنته ارتكبت موبقات ضد القومية حتى باتت القومية رديفا للفاشية والدكتاتورية.

فالانظمة التي وصل قادتها بانقلابات عسكرية وكلمة السر فيها تحرير فلسطين انقلبت على مبادئها القومية ومارست القطرية في أسوأ اشكالها، وحكمت بالحديد والنار تحت غطاء التحرير ولم تحرر بل فرطت بالمزيد. وصار غريبا ان تجد انسانا يفخر بقوميته وعروبته حتى لا يحسب على تيار قومي مثالبه اكثر من محاسنه.

مثلما هو اليسار الذي اشتهر وتشرذم وتلاشى وكأنه لم يكن فهو لم ينجز شيئا سواء في المعارضة او في الحكم وجعل المواطن العربي ينبذ التيارات القومية واليسارية، وكان الامل في التيار الاسلامي لكي يقود ويجمع ولا يفرق. لكنه هو الآخر مر بمراحل عدة وتشرذم الى ما يشبه المماليك تبعا لأنظمة وجهات دافعة له او ممولة او مؤطرة له.

حيث انفرط عقد التيار الاسلامي الى تيارات متقاتلة على الارض ومتناحرة فكريا وأفرز ذلك خلافات مذهبية أدت الى الفتنة ليس بين الشيعة والسنة فقط بل بين تيارات السنة نفسها وبين تيارات الشيعة نفسها. وهذا الكرنفال من التيارات والاجتهادات رأينا كيف انه ارتد الى نحورنا وصار يفجر في المدن العربية والاسلامية وكل يدعي ان مفتاح الجنة بيده.

ثوابت الامة تنهار رويدا بفعل فعلة كثيرون ولا أحد يحاول استنهاض مفكرين ومثقفين لاعادة الاعتبار الى الفكر القومي والديني القويم وتخليصه من شوائبه لأن الافكار دخلت مرحلة العولمة وتم تسويق العولمة عربيا واسلاميا بأنها مناهضة للقومية والدين وأنها تدعو للتوحد العالمي ثقافيا واقتصاديا بلا قيود.

وانتظم القوم وفق ذلك.. بينما نرى العولمة ومسوقيها أي الدول الغربية تؤيد عولمة التجزئة والفرقة في العالم الاسلامي وتؤيد كيانات عرقية ودينية في العالم العربي وأوروبا وتضن على العالم العربي بأي نشاط قومي او ديني او تحرري وتتهمه بالتخلف والفاشية واللاديمقراطية.

آن للأمة ان يكون لها مفكروها الانقياء ومراجع دينية من الاتقياء وفقهاء من العلماء وليس الادعياء.. فالشلل الفكري الذي تواجهه الامة يجعلها لا تستطيع فعلاً ولا ارساء تنمية ولا تحقيق أي انجاز فكري او ثقافي او تنموي.

بل يعرضها للاندثار. إن اعادة احياء ثوابت الأمة وبث الروح في المواطن العربي ليستعيد ثقته في دينه وعروبته ومبادئه لا يتأتى الا بجهود مفكرين متنورين يعيدون بث هذه الافكار بعد تنقيتها مما لحق بها من تلوث حزبي ورسمي وعقائدي. فأين هم هؤلاء؟