قال لي أحد الأصدقاء الكبار ممن أحترم وأقدر في محادثة هاتفية: يا أخي نحن بحاجة إلى كتب لتبسيط الفلسفة من أجل أن يفهمها الجمهور العريض في العالم العربي. ولا يمكن أن نخرج من العقلية الغوغائية أو الانغلاقية المتطرفة بدون فكر فلسفي عقلاني.

ولكن من يفهم كتب الفلسفة الآن في العالم العربي؟ لا أحد تقريبا، أو قل قلة قليلة أو نخبة محدودة جدا.. قلت له بعد أن أثلج كلامه صدري وفاجأني بقوته ووضوحه: كم يسعدني هذا الكلام. نعم إننا بحاجة إلى فلسفة، إلى تبسيط النظريات الفلسفية وينبغي أن نفعل شيئا ما في هذا الاتجاه إما ترجمة وإما كتابة وتلخيصا وإما الاثنين معا.

وتشاء المصادفة انك عندما هتفت لي كنت بصدد قراءة كتاب ممتع للفيلسوف الفرنسي المعروف لوك فيري عن تبسيط النظريات الفلسفية الكبرى للفرنسيين.كم أتمنى لو يترجم أحدهم كتبه الثلاثة أو الأربعة الأخيرة والتي تبسط كل تاريخ الفلسفة منذ اليونان وحتى يومنا هذا.فلا يمكن أن نفهم نظرية الحداثة وما بعد الحداثة إلا إذا قرأناه. وقل الأمر ذاته عن منهجية التفكيك وما بعد التفكيك ومكانة هيدغر في تاريخ الفلسفة ونيتشه وهيغل وكانت وديكارت وفوكو وهابرماس الخ.

ولو طالت المكالمة الهاتفية قليلا لقلت للصديق الكريم ما يلي: ان محسوبك لم يفعل طيلة العشرين سنة الماضية إلا الاطلاع على الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة وحتى اليوم. وبالتالي فعملي كله تقريبا كان يهدف إلى تسهيل الفكر الفلسفي المعقد ونقله إلى لغتنا بشكل واضح لا لبس فيه ولا غموض.

وعندي مخطوطات عديدة لا تزال نائمة في الإدراج عن الموضوع ولا تزال تنتظر أن تطبع وتنشر على الملأ. مثلا عندي كتاب كامل عن مفهوم القطيعة الابستمولوجية الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ أن كان الجابري وسواه قد استخدموه بشكل غير دقيق والذي لا يزال الجمهور حائرا في معناه ومدلولاته، وهناك مخطوطة أخرى عن فلاسفة الحداثة وما بعد الحداثة.

وقس على ذلك، نعم نحن بحاجة إلى كتب تشرح لنا كل هذه النظريات والمصطلحات الفلسفية الكبرى التي تعاقبت على الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة وحتى اليوم: أي طيلة أربعة قرون من عمر الحداثة الغربية.. ينبغي أن يعلم الجمهور ما معنى عصر النهضة قياسا إلى العصور الوسطى، وما معنى النزعة الإنسانية التي سيطرت عليه وحلت محل النزعة اللاهوتية المسيحية أو تعايشت معها أو تصارعت وكيف؟

ينبغي أن يعلم ما معنى الثورة العلمية التي حصلت في النصف الأول من القرن السابع عشر على يد فرانسيس بيكون وكيبلر وغاليليو وديكارت وسواهم والتي شكلت قطيعة ابستمولوجية كبرى مع فلسفة أرسطو الذي هيمن على البشرية الأوروبية والعربية الإسلامية طيلة ألفي سنة.

ينبغي ان تعمم دروس الفلسفة على طلاب المدارس الثانوية وبالطبع طلبة الجامعة في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي لكي نتعلم مناهج التفكير العقلاني المنطقي الذي يهيمن على عقلية الشعوب المتحضرة في ألمانيا أو فرنسا أو هولندا أو سويسرا الخ.

ولكننا نلاحظ أن دروس التربية الدينية هي الطاغية على مناهج التعليم عندنا ولا تفسح إلا مكانة ضئيلة جدا لدروس الفلسفة هذا إذا ما وجدت.. فالفلسفة مدانة عندنا أو مشبوهة منذ أن كان الغزالي قد هاجمها بعنف في كتابه تهافت الفلاسفة قبل ألف سنة تقريبا.

وهنا تكمن عقبة كبيرة ينبغي إزالتها إذا ما أردنا أن نعيد الاعتبار للفلسفة من جديد في العالم العربي الإسلامي. فالفلسفة تعني الفكر العقلاني الحر الذي لا يقبل بان تفرض عليه قيود دوغمائية من الخارج. وبما أن الفكر الحر انعدم في العالم الإسلامي بعد سقوط الفلسفة وإدانتها فإن العقلية الغيبية أو التواكلية هي التي هيمنت علينا طيلة عصور الانحطاط وحتى اليوم.

ثم تلتها العقلية الديماغوجية الغوغائية لاحقا في عصر الأيديولوجيات والشعارات الحامية، وينبغي أن نعترف بأنها هي المسيطرة على الشارع العربي حتى الآن. وللتأكد من ذلك يكفي ان ننظر إلى ردود فعل الجماهير الأوروبية ضد حدث يجرح مشاعرها وردود فعل الجماهير العربية الإسلامية على حدث يجرح مشاعرها أيضاً.

في الحالة الأولى نلاحظ أن رد الفعل يكون ناضجا محسوبا متزنا، وفي الحالة الثانية يكون هائجا عنيفا بدائيا. والسبب؟ انه انعدام التربية العقلانية الفلسفية عندنا وتوافرها بكثرة في أوروبا. لنفكر هنا ولو للحظة برد فعل جماهيرنا على بعض الرسوم الكاريكاتورية التافهة في الدانمارك، ورد فعل المسيحيين الأوروبيين على أشياء مشابهة وتنال من مقدساتهم.

في الحالة الأولى طغى الويل والعويل وحرق السفارات الأجنبية والقنصليات وسقوط قتلى عديدين أثناء المظاهرات الحاشدة بل والهجوم الشائن على الحي العربي المسيحي في الأشرفية ببيروت. وفي الحالة الثانية يأخذون الأمور بنوع من الفلسفة ويكتفون ببعض المقالات الاحتجاجية في الصحف وأحيانا يقدمون شكوى إلى المحكمات.

نعم ينبغي أن ننقل إلى اللغة العربية كل الفتوحات العلمية والفلسفية التي ظهرت في أوروبا على مدار أربعمئة سنة: أي بالضبط منذ أن كانت الفلسفة العربية قد توقفت وماتت، وكذلك العلم العربي.من يعرف ما هو معنى كانط بالنسبة لتاريخ الفكر؟ وما معنى لحظة هيغل: أي الكشف المعرفي الذي يمثله ظهور هيغل في تاريخ الفكر أيضاً؟ فالمفكر الكبير يمثل ظهورا أو حدثا صاعقا. انه نور يكشف غياهب الظلمات. انه حل للمشكلة والعقدة المستعصية في كل مرة.

وينبغي علينا نحن العرب أن نطلع على كل هذه النظريات المتلاحقة لكي نفهم أين نحن على خارطة العالم المعاصر ولماذا تأخرنا وتقدم غيرنا. هذا غيض من فيض مما أثارته في نفسي تلك المكالمة التليفونية الرائعة التي ذكرتها في بداية الحديث والتي نزلت علي كالمطر في صحراء قاحلة.

لكن كان يمكن أن أواصل الحديث إلى ما لا نهاية عن هذا الموضوع الخطير. فنحن الذين درسنا في جامعات أوروبا نعرف مدى البون الشاسع بين الفكر العربي والفكر الأوروبي.نعرف مدى تقدم هذا وتأخر ذاك. ولكي نحجم التيار الأصولي الذي يسيطر على الساحة حاليا ما علينا إلا أن نفتح كلية فلسفة مقابل كل كلية شريعة أو معهد ديني تقليدي في العالم العربي كما يفعل الألمان مثلا.

وعندئذ سيضطر حتى رجال الدين إلى تحديث مناهجهم وإدخال الفكر العقلاني إلى دراساتهم من أجل توليد تفسير جديد للدين غير هذا التفسير السائد منذ عصور الانحطاط والمطبوع بالتعصب والانغلاق. فالعلاقة الصراعية أو قل الجدلية الخلاقة بين الدين والفلسفة تعود بالخير العميم على الدين والفلسفة في آن معا.

وبما أن هذه العلاقة انقطعت في الساحة العربية الإسلامية نتيجة موت الفلسفة فانه لم يبق في الميدان إلا رجال الدين المنغلقين على كل علم أو فلسفة. وهكذا حصدنا كل هذه الحركات المتطرفة التي تهدد الآن لبنان بعد أن دمرت العراق. والحبل على الجرار.. ويخطئ من يظن ان الفلسفة سوف تبعدنا عن الدين أو سوف تقضي عليه.

فالتعمق في الدين أو فهمه على حقيقته لن يبتدئ في العالم العربي إلا بعد انتشار العلم والفلسفة بشكل واسع في بلداننا. عندئذ سوف تتشكل فلسفة الدين في العالم الإسلامي وسوف يضاء من كل جوانبه كما حصل في العالم المسيحي الأوروبي والبلدان المتقدمة.

وعندئذ سوف نعرف لأول مرة ما هو معنى الإسلام وجوهر الإسلام وحقيقة الإسلام.. وبالتالي فالفلسفة هي التي ستنقذنا مثلما أنقذت حضارتنا سابقا وجعلتها أعظم الحضارات في العصر الذهبي المجيد من تاريخها. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ألا وهو الجمع بين ثلاثة أطراف دفعة واحدة: الدين والعلم والفلسفة.

كاتب سوري - باريس