وكأن الساحة الفلسطينية بحاجة إلى نزف جديد. فهي محاصرة إلى حد الاختناق، من الخارج. مطاردة على مدار الساعة، بحديد ونار العدوان الإسرائيلي. وفي آن، هي مكتوية بلهيب اقتتالها الداخلي. فيها ولديها ما يكفيها من المعاناة.
هي بالكاد قادرة على الصمود ومواجهة المخاطر التي تهددها من كل صوب. ما كان ينقصها جرح جديد. وخاصة إذا كان من العنف القاتل. وبالأخص إذا كان هو بالذات ما اشتهته إسرائيل على الدوام، للشعب الفلسطيني: أن ينزح ويفرغ أرضه.
إن حركة النزوح، التي أخذت تكبر في الآونة الأخيرة، تسببت بها وأطلقتها ظروف مصنوعة محلياً. وبالتحديد في غزة. وآخر الأرقام تشير إلى أن حوالي عشرة آلاف غادروا قطاع غزة، من دون عودة. دوائر فلسطينية مطلعة، تقول ان العدد «أكبر من ذلك بكثير».
وقد أخذت المغادرة طابع الهجرة إلى الغرب. وهناك طلبات فلسطينية متزايدة، في هذا الاتجاه. موجات النزوح المقلقة حملت مفتي الديار الفلسطينية على إصدار فتوى بتحريم الهجرة. مع ذلك تشير التوقعات إلى أن حركة الهروب إلى الخارج وترك الأرض، مرشحة للاستمرار وربما الزيادة، في الأشهر المقبلة.
ظروف البقاء لم تعد متوفرة؛ حتى بحدودها الدنيا. الشعب الفلسطيني عانى وكابد وتحمّل، ما لم يذقه شعب آخر؛ وعلى امتداد حوالي ستين سنة. لم يبخل بكل ضروب التضحيات في مواجهته للاحتلال الإسرائيلي. تشبث بالأرض ودفع فاتورة باهظة، في دفاعه عنها.
لم يتهرب ولم يغادر. لكن ما شهده قطاع غزة في الآونة الأخيرة هزّ صموده وحمله على ما لم يكن في حسبانه. ما أفصح عنه أحد المهاجرين كان أوضح تعبيراً عن هذه المأساة، حينما قال: «يمكننا أن نتحمل الحصار الاقتصادي؛ لكن الفلتان الأمني كان القشة التي قصمت ظهر البعير». وأضاف آخر ان «من يتحمل المسؤولية بالأساس هي القوى السياسية التي مارست العدمية السياسية على مدار الأشهر الماضية».
الأنكى من ذلك أنه بالرغم من الخسائر الفادحة المتنوعة ـ ومنها النزوح ـ التي أدت إليها هذه العدمية، إلا أن الأمور لا تزال على حالها. حتى اللحظة تعذرت معالجة أسباب الاقتتال الداخلي في غزة. كما تعذر حلّ اشكاليات توحيد الأجهزة الأمنية وقضايا الشراكة السياسية. اتفاق مكة، يبدو كأنه حصل في الماضي البعيد، حكومة الوحدة الوطنية، لم تقو على استيعاب الخلافات.
الحوار حول هذه القضايا تجدد في القاهرة. لكنه يدور في ما يشبه الدوامة: لقاءات واجتماعات، في ما تتراكم الاحتقانات على الأرض. ويحصل كل ذلك في ما حكومة أولمرت تعلن رفضها لأية هدنة متبادلة. بل هي تقرر مواصلة عمليات الاغتيال «بالوتيرة الحالية» وإعطاء قواتها «ما تحتاج من وقت» لمطاردة العناصر الفلسطينية في غزة والضفة. بل هي بدأت توسع دائرة هذه العمليات وتضيف إلى القصف الجوي الاستعانة بقوات خاصة يجري إنزالها في أعماق القطاع.
وبذلك يكتمل المثلث القاتل ضد الشعب الفلسطيني: إسرائيل تلاحقه بالضربات المتواصلة؛ قواه السياسية تواصل تناحرها وصراعاتها الدموية؛ والآن بدأ يضربه النزوح وتفريغ الأرض، الذي طالما حلمت إسرائيل بدفعه إلى الإقدام عليه. وهو ما سيكون بمثابة الضربة القاضية إذا ما تحوّل النزوح إلى نمط يفرض نفسه على الفلسطينيين.