قرار مجلس الأمن بإقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هو قرار أميركي ـ إسرائيلي بامتياز، ولا يمكن النظر إليه على أنه تعبير عن الإرادة الدولية، بدليل الانقسام الحاد الذي أحدثه داخل قاعة مجلس الأمن، في ضوء المعارضة الشديدة من دول تمثل غالبية المجتمع الدولي، فقطر مثلاً تمثل المجموعة العربية في مجلس الأمن، وروسيا والصين قوتان عظيمتان، واندونيسيا تمثل العالم الإسلامي، وجنوب أقريقيا تمثل مجموعة عدم الانحياز، وهذه الدول بمن تمثلهم، رفضت القرار، وعللت أسباب رفضها بالمنطق، وبالاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة، وبحقيقة الواقع اللبناني المنقسم إلى أقصى الدرجات حيال مثل هذا القرار.
وهذه الدول الرافضة للقرار تدرك أولاً وقبل كل شيء إن العدالة لا تتحقق بهذه الطريقة غير المسبوقة بتاريخ الأمم المتحدة، وأن الوضع اللبناني لا يحتمل مثل هذا القرار الذي قد يكون له انعكاسات خطرة على الوحدة الوطنية اللبنانية.
وكان من الواضح أثناء مناقشة القرار أن الإدارة الأميركية تريد الانتقام من معارضي احتلالاتها وسياستها في المنطقة، وبالتالي تريد تسييس المحكمة الدولية حتى قبل إنشائها، وهذا ما حذرت منه المجموعات والدول التي تريد فعلاً للتحقيق أن يأخذ مجراه الطبيعي، وأن يصل إلى الحقيقة التي يتوخاها الجميع وخاصة اللبنانيين الحريصين على أمن واستقرار بلدهم، الداعين إلى محكمة حقيقية وليس إلى منبر سياسي يحمل من الأخطار ما لا يحتمله لبنان.
وهذا الفريق اللبناني الوطني الممثل للشريحة الأكبر من اللبنانيين لم يكن يوماً ضد إنشاء المحكمة، وإنما ضد تسييسها، وضد أهدافها في ما يتعلق بمصادرة السيادة اللبنانية لمصلحة قوى لم تكن يوماً مع اللبنانيين ولن تكون، فيما الفريق الآخر المستأثر بالسلطة والخاضع للإملاءات الخارجية أراد العكس، وعمل ما كان يطلب منه أميركياً وإسرائيلياً، والوقائع تؤكد ذلك، علماً أن الرئيس اللبناني العماد إميل لحود وهو الموقع اللبناني الشرعي المخول وحده البت بالقضايا اللبنانية، نبه الأمم المتحدة، وأكد لها بكتاب رسمي أن فريق السنيورة المستأثر بالحكم غير شرعي ولا يمثل اللبنانيين، ولا يمكنه التحدث باسمهم.
أما سورية فقد أعلنت وتعلن باستمرار أنها غير معنية بمثل هذه المحكمة، وأنها أصلاً لم تستشر بشأنها، وبالتالي فلا علاقة لها بها، وهي متمسكة بموقفها القائم على قاعدة أن القرار الوطني أعلى من أي قرار دولي، وإنه إذا ما كان هناك متهمون سوريون باغتيال الحريري فستتم محاكمتهم وفق القانون السوري.
وعليه فقرار إنشاء المحكمة هو فعلاً قرار سياسي، انتقامي، انتقائي، يحمل في طياته كل التناقضات والانحيازات الأميركية.