مع كل يوم يمضي تبدو أزمة «نهر البارد» وكأنها تغوص أكثر وأكثر في التعقيد ليس ذلك فحسب، بل هي تهدد بالتفريخ بحيث تتناسل عنها أزمات ومشكلات؛ تضيع معها القضية التي فجرت الساحة، في الأساس. بل يضيع معها الوضع برمته ويدخل في متاهات ومتاعب؛ وربما انهيارات، لا أول لها ولا آخر.
من المخاوف في هذا الخصوص، أن تنتقل عدوى الصراعات والمواجهات التي شهدتها غزة بين قوى فلسطينية إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان. ثمة علامات ومؤشرات تثير مثل هذه الخشية. من البداية أصرت السلطات اللبنانية على تسليم عناصر «فتح الإسلام» المرابطة في المخيم؛ بعد أن غدرت بالجيش وقتلت من أفراده مايزيد على 33 جندياً وضابطاً.
كان من الواضح أن المشكلة أمامها احتمالان: إما خروج هذه العناصر طوعاً من المخيم وإما إخراجها بالقوة.
الخيار الثاني في ظل الظروف المعروفة للسكان المدنيين هناك، جرى استبعاده على الأقل حتى الآن.
من هنا دخل الدور الفلسطيني للفصائل على المعادلة. فالقوى الفلسطينية جميعها أخذت منذ اللحظة الأولى موقف الإدانة لـ «فتح الإسلام» ومع الإدانة أعلنت أن ما ارتكبته هذه الأخيرة يسيء إلى القضية الفلسطينية كما إلى العلاقات اللبنانية الفلسطينية وهي مسؤولة عن أوضاع وشؤون المخيم وأهله.
تعلقت الآمال عليها، عندما تنادت وبدأت مشاوراتها؛ للنهوض بهذه المهمة. لكن طالت لقاءاتهما وتكررت وبدت عليها المراوحة. ثم بدأت تظهر إشارات تدل على وجود خلاف بين الفصائل، حول كيفية التعاطي مع القضية. وبالتحديد بين الفصيلين المتصارعين في غزة. منهم من طرح خيار تشكيل قوة فلسطينية مشتركة لدخول المخيم؛ ومن هناك يصار إلى تولي حل المأزق. ومنهم من كان له رؤية مختلفة.
الجرجرة أوحت أن هناك عملية شراء وقت خاصة وأنه قد صاحب ذلك محاولات لتسليط الأضواء والتركيز على ضرورة «تعزيز وقف إطلاق النار» وضمان «الأمن في المخيم»؛ مع التشديد على الطابع السياسي للأزمة. طبعا كل هذه الأمور هي من الأهمية بمكان ولابد من معالجتها لكنها ليست لب المشكلة.
عدم التصدي المباشر للأصل ترك الانطباع بوجود شيء من التمييع له. لاسيما وأن بعض الفصائل تبادلت التراشق ـ ولو بصورة ملتوية ـ بورقة تبرئة ساحتها من التقصير ومحاولة رمي الآخر بالملامة والمسؤولية.
ومثل هذا التراشق يصبح مرشحاً للتصعيد في ضوء التسخين المتزايد للأزمة ، كما في ضوء الأجواء المتأزمة بين هذه الفصائل في غزة والتي لم توفق كافة المحاولات في معالجتها والتوفيق فيما بينها.
منذ انفجار هذا الملف كان أحد أهدافه إحداث وقيعة بين اللبنانيين والفلسطينيين، ذلك لم يحصل. وعي الطرفين أحبطه.
الآن يبدو أن التصويب انتقل باتجاه إحداث توتيرثم تفجير بين الفصائل الفلسطينية في «البارد» ثم في لبنان فهل يقع هؤلاء في الفخ وينقلون تجربة غزة إلى لبنان أم يسارعون إلى إنجاز مهمة تنفيس أزمة البارد.