قبل نحو شهر عرض المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة على عدد من ممثلي الدول الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن الدولي مسودة مشروع قرار أميركي لفرض عقوبات على السودان. وبعد مشاورات غير رسمية مع هؤلاء الممثلين اضطر المندوب الأميركي إلى سحب المسودة. فقد توصل إلى قناعة بأن مشروع القرار لن يحظى بتأييد الأغلبية المطلوبة.. وربما تستخدم الصين حق الفيتو لإجهاضه حتى لو توفرت الأغلبية المطلوبة، هذا ما يفسر لنا معنى تصريح لاحق للرئيس جورج بوش أعرب فيه عن «شعور بالإحباط» إزاء «عجز المجتمع الدولي عن التحرك في دارفور».
الآن يطرأ ظرف جديد بعد أن أجاز مجلس الأمن بالإجماع التوافقي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة والذي يتضمن الخطة المقترحة لإرسال قوة افريقية دولية مشتركة إلى دارفور تتكون من نحو 20 ألف جندي. إذ يبرز تساؤل: ماذا سيكون بوسع الولايات المتحدة أن تفعل لو رفضت الحكومة السودانية الخطة؟
ربما لا يأتي الرفض السوداني صريحاً ومباشراً. لكن من المتاح للحكومة السودانية أن تتقدم إلى مجلس الأمن بملاحظات وتعديلات عديدة ومفصلة مما يحول دون تطبيق الخطة بالصورة التي تخطط لها الولايات المتحدة بما يفرغ الخطة من مضمونها أو يجعل تطبيقها عملياً، ضرباً من المستحيل، وفي هذه الحالة لن تجد واشنطن تبريراً لاقتراح فرض عقوبات دولية على السودان.
فالحكومة السودانية لن تكون قد رفضت قرارا لمجلس الأمن أو تريد المماطلة في تطبيقه، لأن المجلس ببساطة لم يتخذ قراراً. فهو كما سبقت الإشارة «أجاز تقريراً» وإحالة هذا التقرير إلى الحكومة السودانية «للدرس»، أي لاستطلاع وجهة نظرها. و«الدرس» بطبيعة الحال يتحمل الأخذ والرد.
ربما يقال في هذه الحالة إن واشنطن قد تعمد إلى إحياء قرار سابق لمجلس الأمن بإرسال قوة عسكرية دولية إلى دارفور. غير أن القرار السابق يتضمن في صياغته نصاً شرطياً بأن إرسال القوة الدولية رهن بموافقة الحكومة السودانية، وهو نص قبلت الولايات المتحدة إدراجه على مضض تحت طائلة تهديد المندوب الصيني باستخدام الفيتو.
إجمالاً تبدو المسألة برمتها مثار ريبة للأسباب الآتية:
لماذا ترفض القوى الغربية دعم القوة الأفريقية المرابطة بالفعل في دارفور بما تحتاج من تمويل وتجهيز؟ القوى الغربية لا تطعن في كفاءة القوة الأفريقية وإنما تشير فقط إلى نقص استعدادها وافتقارها إلى المال. والسؤال الذي يطرح هو: لماذا ترفض هذه القوى الدولية تمويل قوة من سبعة آلاف جندي، بينما تتحمس لتمويل قوة موسعة قوامها 20 ألف جندي؟
ولماذا ينحصر اهتمام القوى الغربية بمشكلة دارفور في الجانب العسكري الأمني وتتجاهل الجذور السياسية للمشكلة وكأن ما يراد لدارفور هو أن تتحول إلى عراق آخر؟، ولماذا التحيز الغربي الفاضح لحركات التمرد الدارفورية كتنظيمات مسلحة للقبائل الأفريقية ضد القبائل العربية؟
وأخيراً نتساءل: إذا كانت القوة الأممية الأفريقية سوف تتكلف مبدئياً نحو سبعة مليارات دولار أليس من الحكمة عوضاً عن ذلك رصد هذا المبلغ لتمويل برمجة تنموية في إقليم دارفور القاحل لتحقيق نقلة نوعية لأهله؟