الجغرافيا محايدة بطبيعتها، والإنسان هو من يقوم بإعمارها أو تدميرها، ومنطقتنا العربية التي تقع على تقاطع القارات صارت هدفاً في لعبة الأمم، ساعد على ذلك الانقسامات بين القيادات والأحزاب، وشملت حتى أصحاب التراث الواحد والعقيدة الواحدة مما سهَّل تمرير المشاريع السياسية المتعارضة مع الأهداف الوطنية والقومية..
في السودان، ولعدة سنوات تقرع الطبول على فرض حصار اقتصادي بسبب دارفور، والآن تريد أميركا دعم هذا المشروع بمبادرة ذاتية ومحاولة الحصول على تأييد دولي من قبل حلفائها، أو مجلس الأمن، وقطعاً الموقف تتقاطع فيه الجوانب الإنسانية، مع المطامع الدولية، وربما لدى السودان ما تعتبره حقها الوطني في معالجة القضية، لكن أيضاً لا تستطيع أن تنسى الموقف الدولي الذي لديه القناعة المتساوية مع الدولة ذات السيادة في اتخاذ قراراتها..
خارج هذه المسألة أقر الكونجرس الأميركي محاكمة دول الأوبك بداعي الاحتكار لسلعة عالمية، والمسألة تختلف كلياً عن تجاوزات حقوق الإنسان إلى توظيف قوة الدولة العظمى بأن تكون المشرِّع، والقاضي، والحكم، وطالما النفط سلعة تتشابه مع أي منتج صناعي أو طبيعي، فهي لا تستطيع أن تكسب الحق القانوني في مقاضاة غيرها، ولا أدري لو كان النفط في حيازة إسرائيل أو دولة أوروبية أو آسيوية حليفة، هل تجرؤ الدوائر الأميركية، إصدار قرارات كهذه، وهناك مثل قريب للدول خارج أوبك مثل روسيا، هل بقدرة أميركا ضمها إلى المتهمين بالاحتكار، وإخضاعها للمساءلة أو المحاكمة، لإصدار (فرمان) أمريكي ضدها؟..
سقف أميركا قصير تماماً، لأن سوابقها في التجارة العالمية لا تعطيها شهادة النزاهة، فقد سبق أن احتكرت الدواء عن دول افريقية وآسيوية مثل أدوية (الايدز) وحاكمت شركات خارجية قامت بتصنيع الدواء وتسويقه بأسعار مناسبة، وفي فترة صراعها مع الاتحاد السوفيتي، وحلفائه، قامت بما سمِّي بحرب القمح، حين منعت تصديره لمصر، والاتحاد السوفيتي ودول أخرى، وهي الآن تعاند إلى حد الرفض، المطلق في التوقيع على اتفاقية (كيوتو) حول حماية المناخ لأنه يضر بصناعاتها، وهو سبب يجعل تشكيل محكمة دولية لهذه الغاية أمراً تفرضه أسباب البقاء للأرض والإنسان..
ثم إذا افترضنا أن منطق القوة يفرض ضغطاً وأسلوبه، فهل تستطيع أميركا الإقرار بأن ما يصرف على حيواناتها الأليفة، وفق احصائيات عالمية، قادر على إنقاذ القارة الافريقية من المجاعة وأن تتنازل عن هذه القوة لمصلحة إنسانية، وهل تتسامى إنسانياً، وتقوم بتعويض المدخنين الذين ماتوا بالسل والسرطان في كل أنحاء العالم، بينما تحمي شركات إنتاجه بكل قواها رغم معرفتها بأضراره وخطورته؟..
أميركا دولة عظمى لكنها ليست بريئة حين تشن الحروب، وتسمح بموت المرضى، وتقتلهم بمنتجات التبغ، وتبلغ حد العداء لمن يحامي عن كوكب الأرض، أو يريد مساءلتها عن التسبب بتلويثه..