إن من واجبات الدولة أن تعمل على استتباب الأمن وتوفير الأمن والأمان لمواطنيها والمتواجدين على أرضها ومنشآتها ومن هذا نجد أغلب الدول تخصص أموالاً طائلة من أجل تحقيق هدف الأمان لأراضيها وشعبها والمحافظة عليه، وذلك من خلال سن القوانين وتهيئة جهات مختصة تعمل على استتباب الأمن وتوفير البيئة الآمنة للمواطنين .
وذلك من خلال تدريبهم تدريباً جيداً وحديثاً ومواكبة التطور في كافة العلوم الأمنية بل إن هناك كليات وأكاديميات أمنية تأخذ على عاتقها تدريب الرجال وتزويدهم بأحدث العلوم الأمنية والتكنولوجية ليكونوا هم صمام الأمان. كما تعمل الدولة على تحديث بنيتها في مجالات تهيئة الأجهزة الحديثة المستمدة في الكشف عن الجريمة.
وقد ينصرف ذهن القارئ إلى أن الأمن والأمان الذي نقصد به هو مجرد محاربة الجريمة ومحاولة الحد من وقوعها بل يضاف إليه كافة المقاصد والمعاني التي تحتويه كلمة أمان أو الأمن. فكثيرة هي الشعوب التي فقدت أمنها وتعرضت بالتالي إلى الفوضى وهتك الحقوق والأعراض بل والقتل أيضاً والأمثلة على ذلك كثيرة ولكننا هنا نريد أن ننبه إلى أهمية الأمان والأهم من ذلك أهمية المحافظة على بيئة آمنة.
ونعود إلى موضوع الشعوب التي فقدت أمنها وهو فقدان عام للأمن وسببه سوء سياسة الدولة وتخطيطها، فسياسة الدولة يجب أن تكون معتدلة وعلى الحكام أن يفكروا بشعوبهم قبل أمجادهم ولا يقبل منهم تفصيل مصالحهم الخاصة على حساب شعوبهم فهذا الأمر مرفوض منطقياً والتاريخ شاهد على مثل هذه النوازع الشخصية المرفوضة، فنجد شعوب تلك الدول مهددة بالحروب وويلاتها وعندما نقول ويلاتها نعني الكثير من المعاني .
ولكننا نأخذ جزءاً من هذه الويلات، فالشعوب التي تدخل الحروب يحدث فيها خلل كبير وعدم توازن في مجريات حياتها وبوادي ضعف في الأجهزة الأمنية وهذا الاختلال من شأنه أن ينشيء مجموعات تتشكل على شكل عصابات وتبدأ أعمالها الإجرامية على حساب الشعب بسبب الضعف الواضح في الحالة الداخلية للدولة التي وضعت ثقلها في المهام الخارجية وهي الحرب، وهكذا سوف يتأثر الشعب من ويلات هذه الحرب أو تلك والأكثر من ذلك أن هذه الحرب ولدت عصابات ومن المؤكد تبدأ بالتنامي حتى إن توقفت الحرب ويتداعى الأمر أكثر عندما نجد هذه العصابات تتوالد وتتكاثر بحيث يصعب السيطرة عليها بعد ذلك.
وقد نجد صورة ثانية من اختلال التوازن في الدولة وتأثير ذلك على البيئة الأمنية في سلوك الدولة وسياساتها الخارجية التي من شأنها أن تؤثر على شعوبها سلباً من خلال تأييد دولة ضد أخرى أو مجموعة دول ضد جهة أخرى فإذا كان النظام الحاكم في تلك الدولة لا ينتبه إلى خطورة هذا الموضوع ولم يتخذ من أساليب التوازن في السياسة الخارجية فإن تلك الدولة سوف لا تستطيع أن ترسو بشعبها في بر الأمان بل سوف تغرقه في مخاطر كبيرة جداً وتعرضه وأمنه وأمن الدولة إلى خطر محدق سواء كان من الداخل أو من الخارج.
إن عدم إدراك تفاقم ثغرة أمنية وعدم معالجتها منذ البداية يمكن أن تتفاقم وتكبر لتشكل تهديداً داخلياً للدولة وشعبها خصوصاً إذا كانت هذه الثغرة متأتية من خارج الحدود وبذرائع متعددة فهنا يتوجب على الدولة وأجهزتها والشعب بصورة عامة أن يتنبهوا إلى موضوع الثغرات الأمنية التي تخترق المجتمع وتبدأ تنخر به من الداخل حتى يتم هلاكه.
كما أن سوء تخطيط الدولة اقتصادياً ينتج عنه أثراً سلبياً يتمثل في استمالة فئات من الشعب إلى أحداث شغب تبدأ على شكل مسيرات وتظاهرات مما يخل بالأمن ويشل حركة الشارع ويتأثر الشعب بها اقتصادياً وقد ينتج أيضاً عن سوء التخطيط الاقتصادي مع تردي الوضع الاقتصادي في الدولة إلى بروز صور كثيرة من الجريمة وخصوصاً الجرائم المالية ومنها الفساد الإداري والمالي لدوائر تلك الدولة، وهذا يجعل الشعب متأثراً من هذه الحالات ويعيش في بيئة يغلب عليها طابع الجريمة.
وهناك صور وصور ولكننا نكتفي بهذا القدر من الأمثلة غير أن الذي يهمنا في الموضوع أنه صحيح أن الدول تعمل على استتباب الأمن ورغم كل ذلك وعلى فرض أن تلك الدولة نموذجية في تعاملها السياسي العام ـ الداخلي والخارجي وناجحة اقتصادياً غير أن هذا لا يكفي لكي تكون البيئة الحياتية آمنة ولكنها تحتاج إلى الجزء الأهم من الدولة وهم الشعب في المشاركة في بناء البيئة الأمنية للدولة.
وهذا له تأثير كبير على استتباب الأمن من خلال تثقيف هذا الشعب وتهيئته لتحمل المسؤولية وإشعاره أن الأمن هو مسؤولية الجميع وليس الدولة أو الأجهزة الأمنية فقط ذلك لأن هذا الموضوع (الأمن) هو حيوي ومهم في الحياة العامة ومن دون أمن لا حياة فاضلة لشعب.
إذن الأمن نعمه من الله عز وجل ويجب على الجميع المحافظة عليها وصونها والدفاع عنها. هذه النعمة لا يحس بها من يتمتع بها إلا بعد أن يفقدها، فلنتحسس هذه النعمة ونصونها جميعاً وندافع عنها - ونحمد الله كثيراً أن في دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة حكيمة رشيدة استطاعت بسياساتها الخارجية أن ترسو بالدولة وشعبها في بر الأمان في كثير من الأزمات التي ضربت المنطقة .
وبذلك استطاعت هذه القيادة دفع المخاطر عن شعبها التي صانته وهيأت له الحياة الكريمة الآمنة، وكذلك نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء اقتصاد قوي ومزدهر مما انعكس إيجابياً على شعبها الذي تمسك بالمنجزات الكبيرة المتحققة له وانطلق نحو مستقبل زاهر واضعاً أسس بناء الحضارة ومتمتعاً بالأمن والأمان ومتحسساً لهذه النعمة شاكر الله تعالى عليها.
غير أن تحقق الأمن والأمان هو ليس الغاية النهائية أو كما يقال هو نهاية المطاف بل إن المحافظة على هذه النعمة هو الأهم ورغم أن شعب دولة الإمارات العربية المتحدة واع ومثقف غير أن البيئة الأمنية الصحيحة والازدهار الاقتصادي جعلت الكثير من الناس من بلدان أخرى يقصدونها بحثاً عن الأمن والبيئة الصحية والآمنة والاستثمار الآمن. وأن التوسع في القاعدة الاقتصادية وللدقة أكثر لتوسع قاعدة القطاع الخاص الاستعانة بعمالة من الخارج فكان لا بد أن يدخل من بين هؤلاء أشخاص يريدون الاستفادة من هذه البيئة من أجل تعكيرها حسداً أو حقداً وقد يكون الهدف من ذلك هو لتحقيق مكاسب شخصية أو لزعزعة الأمن في هذا البلد.
وعلى كل حال فهذا متوقع ولكن النقطة الأساسية التي نريد أن نتطرق إليها هو أن المواطنين يجب أن يتصدوا إلى أية حالة سلبية تضر ببلدهم من خلال الإبلاغ عنها بغية معالجتها ولا يقتصر الأمر هنا على المواطنين بل يشمل الأمر الوافدين أيضاً ذلك لأنهم بالأساس جاءوا إلى بلد آمن ليرتزقوا منه فلا يمكن أن يأخذوا منه دون عطاء .
ويجب على الأقل المحافظة على البيئة التي يعيشون بها لسنوات طوال ويرتزقون منها ولو أن لا سمح الله حدث مكروه فإن رزقه سوف ينقطع مع تدهور الأمن لذا عليه أن يعي هذه المسألة ويتحمل المسؤولية كاملة كما يتحملها المواطن لأن الأمن هو مسؤولية الجميع. ولنكن يداً واحدة ضد من يريد أن يعكر أمننا ونضرب بيد واحدة على كل من يخالف القوانين ولنكن اليد القوية والذراع القوية للدولة من أجل الأفضل دائماً.
كلية القانون ـ جامعة الشارقة
rashid.shabib@binshabib.ae