مثلت أسلحة الدمار الشامل ميداناً للتجاذب والتنافس بين القوى الدولية الكبرى، وسلاحاً سياسياً للضغط والابتزاز في يد بعضها، ترفعه تهماً وتهديدات في وجه من تشاء وتمنحه هبة وامتيازاً لمن تريد، خاصة في منطقتنا العربية ومحيطها.

فقد كانت «أسلحة الدمار الشامل» الذريعة الأميركية البريطانية لغزو العراق واحتلاله كما هي الآن وسيلة للضغط على إيران بحجة أنها تسعى لامتلاك سلاح نووي، بينما ظلت إسرائيل تصنّع وتكدس هذه الأسلحة بكل أنواعها على مدى العقود الماضية، بفضل هبات الدعم العسكري والمالي والتكنولوجي الذي تلقته وما زالت تتلقاه من الغرب عموما ومن الولايات المتحدة بشكل خاص.

وتشكل هذه الأسلحة المهلكة تهديدا حقيقيا للبشرية كلها، خاصة بعد أن جربتها أميركا عملياً في مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين وأصبحت متاحة للعديد من الدول الأخرى في عالم اليوم، وربما لبعض الجماعات الصغيرة غير المنضبطة أو الملتزمة (ولو نظرياً) بأحكام القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات المكملة له، وسط محيط هائج من الصراعات والحروب في مختلف أصقاع هذا العالم.

غير أن سلاح الدمار الشامل الأبعد أثرا والأكثر تدميرا الذي تواجهه منطقتنا وأمتنا العربية في هذه المرحلة، هو سلاح الفتن المتنقلة العابرة للحدود والمخترقة للكيانات القُطرية والنسيج المجتمعي لكل منها، والتي لم يعد لها شكل محدد أو أسباب واضحة ولا نهايات يمكن توقعها.

فتارة تأخذ طابع الصراع العرقي ومرة تلبس ثوب الخلافات المذهبية، وحين تنتفي الأسباب العرقية أو المذهبية يتحول الخلاف إلى نزاعات ذات طابع أيديولوجي أو تنافس على المواقع والنفوذ بين أطراف داخلية في البلد الواحد قد تنتقل إلى مشاكل حدودية بينه وبين بلد آخر أو أكثر، مهما كان عمق التآلف والانسجام التاريخي بين شرائح المجتمع الواحد ومكونات الشعب الذي شكّل تاريخه المشترك بالوئام وروح الانفتاح عبر القرون والأزمنة.

صراعات عبثية ورهانات مغلوطة، تختلط فيها المفاهيم وتتشابك الخيوط والملابسات إلى حد تضيع معه الحقائق ويصبح من المستحيل معرفة كيف بدأ الخلاف وإلى أين يتجه أو متى سينتهي!

وتبقى النتيجة واحدة.. حرب شاملة بين الجميع لا تستثني أحدا ولا توفر طرفا، لكنها تتصاعد وتستمر بلا نهاية، دون أن يتمكن طرف من حسمها لصالحه أو تتوقف الأطراف، ولو مؤقتا، لتراجع أنفسها ومواقفها وتعرف إلى أين تسير!

ففي العراق تشكل النسيج الاجتماعي، العربي الكردي والسني الشيعي، على مدى أكثر من ألف عام دون أن يسجل لنا التاريخ طوال هذه الفترة صراعا بين مكونات هذا الشعب العريق كالذي نشهده اليوم في بلاد الرافدين.

وفي أرض الكنانة كان التلاحم القبطي الإسلامي نموذجا آخر للتعايش والتكامل وروح المواطنة الواحدة منذ 1400 عام، بل إن الأقباط الناقمين على الحكم الروماني هم الذين فتحوا أرض مصر أمام الإسلام والمسلمين في القرن الهجري الأول. ورغم ذلك بدأنا نسمع عن اشتباكات هنا أو نزاعات هناك بين المسلمين والأقباط في مصر العزيزة!

والأمر ذاته ينطبق على الأوضاع في السودان وفي المغرب العربي وغيرها من البلدان العربية الأخرى، مهما اختلفت التفاصيل وتنوعت المشاهد.

لكن عمى البصائر وصمم الضمائر يأبى إلا أن يزج بالمنطقة وأهلها في ظلمات الفوضى ومجاهل الانتحار الجماعي والتدمير الذاتي والشامل، دون هدف واضح أو غاية محددة يمكن فهمها أو تبريرها. وما يجري في لبنان حاليا ما هو إلا طبعة جديدة من هذا المسلسل السرطاني الذي ينخر جسم الأمة ويفقدها المناعة الذاتية والقدرة على المقاومة أو الاستجابة لأي علاج.

فمن أين جاءت جماعة «فسخ الإسلام» هذه التي تدعي «الفتح» وتنسبه إلى الإسلام؟ وما هي أهدافها الحقيقية؟ ومن الذي سمح لها بأن تصل إلى ما وصلت إليه من تمكين في المواقع وقدرة عسكرية تضاهي جيشا بكامله رغم ما يقال عن محدودية أفرادها وقلة عددهم؟ ولماذا تبادر بمهاجمة الجيش اللبناني في التوقيت والمكان الخاطئين بينما كان ينتظر أن يكون موقعه وجهده منصبين على الحدود مع العدو التاريخي والمصيري، إلى الجنوب وليس في الشمال؟

لا أحد يمتلك الإجابة على ما يبدو، أو لا أحد ممن يملكها يريد إعلانها والإفصاح بها، رغم المخاطر والتداعيات التي تهدد الجميع وليس لبنان وحده!

غير أن جماعة «فسخ الإسلام» في لبنان ليست سوى نموذج واحد من نماذج السوء والدمار المتناسلة في غير مكان وفي أكثر من منطقة، والتي تظهر فجأة وتتمدد في ظلام الأجهزة الأمنية والمخابراتية الفاسدة وبيئات الأنظمة الأكثر فسادا وترهلا.

فإلى متى تظل الأمة نهبا لهذه الأوبئة ومتى تستفيق لتتخلص من أسلحة دمارها الشامل؟