بعيداً عن موضوع مجموعة «فتح الإسلام» الإرهابية غير الفلسطينية والتي تحمل العنوان الفلسطيني زوراً وبهتاناً، تذكرنا عمليات القصف الجنوني العشوائي المرفوض التي بدأتها قوات الجيش اللبناني ضد مخيم نهر البارد بعمليات القصف التي تمت العام 1976 من قبل الميليشيات اليمينية التي حملت العنوان اللبناني سنتذاك ضد مخيم تل الزعتر الفلسطيني الواقع شرقي العاصمة بيروت.
فقد انهمرت القذائف صيف العام المذكور وتحديداً على امتداد شهري يوليو وأغسطس على كافة أرجاء المخيم إلى حين تم اقتحامه من قبل عصابات اليمين الفاشي فسقط أكثر من (3000) شهيد من أبناء المخيم وجواره جلهم من اللاجئين الفلسطينيين الذي ذهبوا ضحايا بريئة على مذبح الصراع الجنوني الذي شهدته الساحة اللبنانية وكان أبطاله العديد من الشخصيات اللبنانية التي تتربع الآن مواقع التنظير السياسي.
فقد جاءت الأحداث الدموية الأخيرة التي عصفت بمخيم نهر البارد الفلسطيني الواقع قرب مدينة طرابلس شمال لبنان وفي المناطق المحيطة به، لتثير الأسئلة حول الطريقة غير المناسبة التي تعامل بها الجيش اللبناني لاجتثاث ظاهرة «فتح الإسلام» من خلال القصف العشوائي للمخيم كما يؤكد الفلسطينيين من داخل المخيم أولاً، وحول الظاهرة المتعلقة بالإطلالة الجديدة المفاجئة لمجموعة ميلشياوية غير فلسطينية وبترخيص غير فلسطيني تحمل اليافطة الفلسطينية ثانياً.
كما أثارت أحداث نهر البارد، التساؤلات المتعلقة بالعودة غير المحمودة والمذمومة لمجموعات متطرفة اتخذت من التجمعات الفلسطينية أماكن تواجد وموئلاً لها، كما هو حال مجموعات غيرها في مخيم عين الحلوة القريب من مدينة صيدا وجواره المحيط، في الوقت الذي كان ينتظر فيه الفلسطينيون من أبناء مخيم نهر البارد حلاً ممكناً لسحب المجموعات المتطرفة التي وفدت إليه منذ أقل من عام مضى، حلاً يأخذ بعين الاعتبار أمن المواطنين.
ويجانبهم العواقب الوخيمة التي قد تقع نتيجة وجود المجموعات المستوردة المتعددة الجنسيات، كما يجنبهم الردود غير المدروسة من الجانب اللبناني الرسمي كما يقع الآن حيث نيران مدفعية الهاوزر ومدفعية الدبابات بقصفها العشوائي الذي لم يعد يلحظ تساقط القذائف النارية القاتلة وسط وجود أكثر من (50) ألف لاجئ فلسطيني من أبناء مخيم نهر البارد ليس لهم علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالمجموعات المتطرفة إياها.
والأسوأ من كل هذا، أن تأتي الإطلالة الجديدة لمجوعة «فتح الإسلام» بعد أن أخرج الفلسطينيون أنفسهم من حسابات المعادلة الداخلية اللبنانية، مستفيدين من تجربتهم المرة، التي دفعوا ثمنها الباهظ. وعليه خبت نسبياً بعض الأصوات النشاز في الساحة اللبنانية، التي سبق لها وان ملأت الأجواء صراخاً هستيرياً ضد الوجود الفلسطيني المدني، متحدثة عن «الجزر الأمنية» تارة وعن مخاطر «بعبع التوطين» المزعوم تارة ثانية.
إن الشعب الفلسطيني، وعبر قواه السياسية الرئيسية كان قد دعا عشرات المرات الجهات الرسمية اللبنانية لاتخاذ إجراءات عاجلة لبسط السيادة اللبنانية الكاملة فوق كل بقعة يتواجد عليها الفلسطينيون من أرض لبنان وتوفير الأمن المجتمعي للجميع، لكن المراجع اللبنانية العليا ربطت الموضوع إياه بالملفات الإقليمية، بل وتساوق البعض للحديث الدائم على معزوفة الجزر الأمنية التي يحلو للبعض من اللبنانيين الرسميين التقسيم على وترها.
في ظل مأساة الانتشار الفوضوي لبعض المظاهر المسلحة من قبل أطراف ليست فلسطينية بالمطلق ولا علاقة لها بمنظمة التحرير الفلسطينية، أو أي من فصائلها من حركة فتح وصولاً إلى الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة التنظيم العضو في منظمة التحرير الفلسطينية. فالمخيمات والتجمعات الفلسطينية بعيدة عن احتضان وحماية الشرعية اللبنانية، بل وتغرق في البؤس الذي رافق نشوءها، وأصبح القهر سمتها الغالبة.
ومن هنا، ومع التقدير الكامل للموقف الوطني اللبناني، ومع الاحترام الكبير للجيش اللبناني الذي خسر بضع من رجاله شهداء برره، نستطيع القول إن المعالجة النارية التي تمت كان ممكناً تجنبها عبر البحث عن حلول مغايرة بالتعاون مع القوى الفلسطينية الرئيسية خصوصاً (فتح وحماس والجبهة الشعبية والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة) وذلك حرصاً على أرواح المدنيين الأبرياء، ومن أجل تحقيق نتائج جيدة في الخلاص من شرور المجموعات المتطرفة.
وبناءاً على واقع الحال، أستطيع أن أجزم القول إن تفكيك ظاهرة «فتح الإسلام» وإنهاءها يتم بالتعاون التام والفوري بين لبنان والقوى الفلسطينية الفاعلة والمسؤولة وقبل كل شيء برفع أي غطاء عن المجموعة المذكورة وعزلها شعبياً. أما الدعوة لمواجهة المجموعات المشار إليها عسكرياً من قبل القوى الفلسطينية بعد حالة استفحال وجودها دعوة غير مدروسة، وتشكل وصفة تامة وممتازة وجاهزة للتدمير الذاتي داخل المخيمات الفلسطينية عبر الاقتتال داخل زواريبها وبين نسائها وأطفالها وشيوخها.
ومن هذا المنطلق كان الموقف العاقل لمنظمة التحرير الفلسطينية وللقوى الفلسطينية في لقائها الموسع مع فؤاد السنيورة رئيس الوزراء اللبناني، حين أبلغته بوضوح رفضها الكامل اللجوء إلى العمل المسلح في مواجهة المجموعة المسماة «فتح الاسلام» داخل المخيم.
إن الشعب الفلسطيني بلغ من العمر عتياً، وبات في زمن يميز بين الغث والسمين، يرفض عودة مجموعات متطرفة بثوبها البالي العتيق وخطابها الفج، التفجيري الآتي من كهوف الماضي. فالشعب الفلسطيني استطاع أن يستوعب المتغيرات والنتائج الكارثية التي جلبتها شبيه المجموعات المشار إليه، والخسارة الفادحة التي دفعها، خصوصاً وأن مجموعة «فتح الاسلام» غير فلسطينية وان قادها فلسطيني مهووس اسمه العقيد شاكر العبسي، فهي مجموعة لا تضم في صفوفها سوى بضع فلسطينيين معهم مئتا فرد من كافة الجنسيات العربية.
من جانب آخر، لابد من القول إن ما جرى ويجري في مخيم نهر البارد يفترض به أن يشكل حافزاً أمام الجهات الرسمية اللبنانية للبحث الجدي في التخفيف عن معاناة المواطنين الفلسطينيين المقيمين فوق الأرض اللبنانية منذ عام النكبة، خصوصاً مع حالة الحرمان من الحقوق المدنية وأدنى حقوق البشر مع القوانين اللبنانية الصارمة التي تحرم على الفلسطينيين حقوق العمل بكافة المهن، كما في الحرمان من حقوق الملكية الفردية.
والتضييق المتواصل على المخيمات فما زال الفلسطينيون في لبنان ممنوعين من العمل في حوالي ثلاث وسبعين مهنة، ومحرومين من حمل بطاقة العمل، وكل هذا تحت شعار «محاربة التوطين»؟ .. في وقت يحظى به عشرات الآلاف من أفراد العمالة الوافدة، وفرق الرقص والستربتيز، من سريلانكا والبنغال وأفريقيا ودول الكتلة الشرقية سابقاً بحقوق العمل والإقامة الكاملة.
ومازالت تتواصل عمليات التشطيب البطيئة في قيود وسجلات من يغادر الأراضي اللبنانية من اللاجئين الفلسطينيين نحو بلدان المهاجر البعيدة في كندا وأستراليا وغيرها، بينما يفتقد أكثر من 25 ألف فلسطيني من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة المقيمين في لبنان (نتيجة ظروف معينة) لأية أوراق ثبوتية أو سجلات نفوس عائلية، ويعيشون تحت الرحمة بين الطارق والسماء.
وعلى هذا الأساس لم يعد باستطاعة أحد أن يتنبأ المحصلة النهائية لأعداد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، فقد قدم إلى لبنان عام النكبة 1948 بحدود 120 ألف لاجئ فلسطيني من مناطق الجليل وعكا والشمال الفلسطيني، يفترض أن تكون أعدادهم قد قاربت الـ 600 ألف نسمة عند حسبان الزيادة الطبيعية، ولكن من يدري؟
فكل المعطيات تقول إن أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا تصل بأفضل الأحوال إلى رقم الـ 220 ألف نسمة بعد أن غادرت أعداد كبيرة منهم الأرض اللبنانية نحو أصقاع العالم تحت وطأة المعاناة والحرمان من أبسط حقوق البشر، خصوصاً حق العمل والتنقل والأمن، هذا بعد إسقاط أعداداً منهم تتراوح بين 50 إلى 70 ألف نسمة ممن شملهم التجنيس عام 1958 لأسباب معلومة.
فحالة الحرمان تولد المزيد من الأزمات وتشكل التربة الخصبة التي تستقطب لجوء بعض المجموعات المتطرفة نحو التخندق عند البعض من الأفراد الفلسطينيين، كما هو حال مجموعة الضنية اللبنانية التي لجأت إلى مخيم عين الحلوة قبل ثلاثة أعوام، وتالياً أن المسائل العالقة أبعد من ظاهرة «فتح الإسلام» وتصب في الصميم بالعناوين المتعلقة بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين وأوضاعهم الصعبة.
وعليه، إن سيادة المنطق «العنصري» تجاه الفلسطينيين، وهو منطق لم يكن ابن لحظته، بل كان تاريخياً هو المنطق السائد في التعاطي الرسمي اللبناني مع شعب شقيق لجأ إلى لبنان مؤقتاً بفعل ظروف قسرية كان وما زال منطقاً تأزيمياً أساء ومازال لمنطق الأخوة اللبنانية الفلسطينية، لذلك حرياً على الحكومة اللبنانية وقوى الشارع العتيدة من موالاة ومعارضة على حد سواء، أن تلتفت قليلاً لتنظر بعينيها مدى الظلم والإجحاف الذي لحق ومازال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة.
وبقي عليها أيضاً أن تعلي الصوت ممزوجاً بشيء من العاطفة الإنسانية قبل أن نقول القومية المشتركة من أجل حل القضايا المعلقة التي استعصت منذ سنوات طويلة دون أن تجد لها نصيراً فاعلاً وقادراً على طرحها وحملها في الشارع اللبناني وعلى المستوى الرسمي. فلا يليق بلبنان، البلد الحضاري أن يبدو غير معني بهذا التحدي لكل ما هو حضاري وإنساني على أرضه.
كاتب فلسطيني ـ دمشق -عضو المجلس الوطني الفلسطيني