ربيع 2007 هو وقت يتسم بعدم وضوح ملامح الصورة الاقتصادية، فعلى نحو مفاجئ تماماً أدى الحديث في الصين عن نظام ضريبي جديد وضوابط على الائتمان إلى انخفاض أسعار الأسهم في بورصتها بنسبة 9% في يوم واحد. وفي النظام العالمي المترابط اليوم، حذت الأسواق الآسيوية في كل مكان حذو الاتجاه الصيني إلى الانخفاض بسرعة البرق، وعندما أطل الفجر على أوروبا وأميركا شاركت الأسواق هناك في البيع المتوالي للأسهم.

هناك قول شائع مفاده أن المصائب لا تأتي فرادى، ففي الوقت نفسه الذي أوقفت الصين خلاله التداول في أسواقها، انفجرت فقاعة الإسكان الأميركية. ومن الطبيعي أن هذا قد انعكس سلباً على الفرص والعوائد في هذا القطاع، والأسوأ من ذلك أن المقرضين الوسطاء لملاك المنازل غير الجديرين بالائتمان قد بدأوا في الإفلاس مجموعة إثر الأخرى.

ولم يساعد في تحسين الأمور أن ألان جرينسبان، المتقاعد المحترم من منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، حذر في الوقت نفسه الجمهور الأوروبي على رؤوس الأشهاد من أن الازدهار الأميركي الذي استمر من 2003 إلى 2007 بسبيله إلى أن يصبح تاريخاً، بل أنه استخدم تعبير «الركود» للإشارة إلى أن ثمة ركوداً «محتملاً» في الأفق في العام الحالي.

وقد بادر بن برنانكي الرئيس الحالي للاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى التأكيد للجميع أن المستقبل الأكثر احتمالاً لا يزال هو عدم تعرض الاقتصاد العالمي لصدمة قوية. وقد أعاد ذلك الاطمئنان إلى البعض، ولكن برنانكي رفض أن يقول الكلمات التي تريد وول ستريت سماعها، وهي «سيقوم الاحتياطي الفيدرالي عما قريب بخفض سعر فائدته».

يعلمنا التاريخ الاقتصادي أن من المحتم أن تحدث الكوارث. وعلى سبيل المثال فإن مذنباً هائلاً ضرب الكرة الأرضية يوماً على غير انتظار، فانقرضت الديناصورات كلها، وكانت نيو أورليانز المطلة على خليج لويزيانا، بحكم أنها تحت مستوى البحر وتفتقر إلى نوعية السدود والحواجز التي تحظى بها هولندا، عرضة عل الدوام لخطر تلك النوعية من الأعاصير التي جلبتها «كاترينا» في نهاية المطاف.

ولا يشك عالم في أنه في موعد مستقبلي لا سبيل إلى معرفته فإن جانباً كبيراً من كاليفورنيا سيتعرض للدمار بفعل زلزال عملاق، وكل السدود التي قدر لها أن تبنى ستنهار مع حدوث عواقب وخيمة، والناس العاديون والعقلانيون يتعين عليهم المضي قدماً في حياتهم العادية من دون الشعور بالقلق حيال حالات الطوارئ المستقبلية العسيرة. ولكن لو أننا أناس عقلانيون فإننا نبذل قصارى جهدنا الآن وهنا لكي نرسم مقدماً خارطة توضح كيف نخفف من وقع الشرور التي من المؤكد أنها ستحل بساحتنا في وقت لا نعرفه على وجه الدقة.

دعني أقصر حديثي على الاقتصاد حصراً. في أكتوبر 1929 انهارت البورصة. ويعتقد غير المتخصصين في الاقتصاد أن الكساد العالمي الكبير الذي دام من 1929 إلى 1939 كان النتيجة الحتمية. والأمر ليس كذلك. ولو أن الرئيس هربرت هوفر وأندرو ميلون وزير الخزانة الأميركي ومونتا جيو نورمان في بنك أوف انجلاند كانوا يعرفون آنذاك ما يعرفه الخبراء في كل مكان اليوم لما حدث إلا كساد بسيط في عامي 1930 ـ 1931، ولو جاز المنطق نفسه، لما وقعت حرب الثأر والانتقام التي شنها أدولف هتلر في 1939.

ليس باستطاعتنا إعادة كتابة التاريخ الاقتصادي. ولكننا نستطيع أن نستفيد منه. وفيما يلي بعض الاعتبارات المفيدة:

ـ لدى بن برنانكي في واشنطن وألوين كينج في بنك أوف إنجلاند وجين ـ كلاود تريشى في البنك المركزي الأوروبي المعرفة والسلطة والإرادة على العمل والتصدي لأي حالات انكماش اقتصادي في حال حدوثها في 2007 ـ 2008.

ـ وصف غرينسبان لاحتمالية حدوث ركود وشيك بأنها احتمالية «ممكنة»، يمكن ترجمته الآن بواقعية بالقول بان نسبة هذا الاحتمالية لا تزيد على 30% على الأكثر، وبما أن نسبة الثلثين تعادل ضعف نسبة الثلث، فإن هذه الاحتمالية تعضد من التخمينات التي تصب في مصلحة حدوث تباطؤ بسيط في المستقبل القريب.

لا تسيئوا فهمي وتعتقدون أنني متفائل بشكل ميئوس منه. فأنا بعيد كل البعد عن هذا الوصف . فباعتباري من أصحاب منهج الواقعية، فإنني أرى من خلال خبرتي تجارب اقتصادية عالمية خطيرة واقعة على الساحة. وفيما يلي إطلالة بسيطة على بعض تلك التجارب:

ـ إجمالي الناتج المحلي للصين يفوق الآن نظيره الياباني ويأتي ثانيا مباشرة بعد أميركا. وإذا استمر معدل النمو السنوي لهذا الناتج بنسبة 9% أو 10% فإنه سيعادل نظيره الأميركي قريبا.

ـ ظاهرة صناديق التحوط تجتاح الأسواق العالمية، تلك الصناديق تخرج عن إطار التنظيم. في الأوقات الطبيعية، قد تساعد تلك الصناديق على نشر المخاطر وأيضا تقليصها. وعلى الرغم من ذلك، وفي حال حدوث عاصفة عالمية في المستقبل، فإنني أخشى أن يتزايد وجود تلك الصناديق في كل مكان، مما قد يؤدى إلى حالة من الهروب الجماعي من الدولار الأميركي. هل يمكن أن يقع مثل هذا الأمر من دون أن تكون هناك أزمة عالمية؟

بحلول تلك الفترة سيكون جورج بوش في مزرعته في تكساس. غير أن الشرق الأوسط سيظل في حالة من الفوضى والحروب الأهلية. يا خسارة، نحن نجني ما نزرع. فالأخطاء المالية الساذجة لأميركا فيما بعد عام 2000، بالإضافة إلى ما اتسمت به القاعدة الانتخابية من تبذير في بورصة مين ستريت ـ هذان الأمران سوف يضعان هشاشة نظامنا المالي العالمي الجديد في اختبار عسير.

و في عالم اليوم الذي يعتمد فيه كل جزء على الآخر، يبدو أن أمر تحقيق تنظيم عقلاني لما وقع من سوء إدارة في حوكمة الشركات ـ يبدو أمرا من قبيل المستحيل. فأنت إذا نجحت في منع ألاعيب إنرون وورلدكوم، فإنك ستطرد الأنشطة المالية من أميركا ولندن وبروكسل وتدفع بها إلى الجنان الضريبية في جزر البهاما أو جزر تشانيل، تلك الأماكن هي مثل الغرب الأميركي المتوحش الذي تحكي عنه الأساطير: صراع أخلاقي نحو القاع حيث يمكن للشخص المسلح الأسرع الحصول على كل ما تبقى في المكان.ستكون هناك حاجة إلى ما يزيد على حكمة النبي سليمان كي يمكن العثور على الوسيلة الذهبية التي تربط بين الحرية والتنظيم.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»