مجلس الأمن الدولي أجاز تقريراً.. ولم يتخذ قراراً.هذه أحدث حلقة في مسلسل دارفور. ومغزى الحلقة جديد ـ قديم. فهي تعني أن القوى الدولية الكبرى الخمس في المجلس المالكة لسلاح الفيتو ـ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين ـ لا تزال منقسمة على نفسها.
ومحور الشقاق لا يزال كما هو عليه: إرسال أو عدم إرسال قوة عسكرية أجنبية إلى إقليم دارفور السوداني.لهدف استراتيجي بعيد المدى تدعم القوى الغربية الثلاث مشروع القوة الأجنبية، بينما تعارضه الصين وروسيا. إذن لا مفر من صيغة وسطية.
مثل هذه الصيغة الوسطية تقدم بها الآن إلى المجلس الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على هيئة تقرير يتضمن خطة مفصلة لقوة عسكرية ضخمة (ما ينيف على 20 ألف رجل) شارك في إعدادها (أي الخطة) الاتحاد الإفريقي.
ودون صعوبة أو جدل من أي نوع أجاز المجلس الصيغة الوسطية بالإجماع، فهي تقرير وليست مشروع قرار، والخطة التي يتضمنها التقرير إذن قابلة للدرس لأنها ليست قراراً و اجب التنفيذ، ولهذا فهي تتخذ صفة «اقتراح» حتى بعد إجازتها بالإجماع.
وعادة فإن مثل هذه المشروعات الوسطية تصاغ بلغة دبلوماسية بالغة الدقة والحذر حتى لا تحتمل الصياغة أي تفسير قد يعني أنها قرار دولي ملزم، لهذا نلاحظ في هذا الصدد ثلاثة أشياء:
أولاً: إن الصيغة التي أجازها مجلس الأمن بإحالة التقرير إلى الحكومة السودانية هي صيغة «دعوة» وليست صيغة «أمر».
ثانياً: لم تتضمن الصيغة ذكراً صريحاً للسودان أو الحكومة السودانية بالاسم.
ثالثاً: ان التقرير أحيل ضمنياً إلى الخرطوم «للدرس» وليس للتنفيذ.
وفقاً للخطة فإنه يراد للقوة الإفريقية العسكرية المرابطة حالياً في دارفور أن تنتهي مهمتها لتحل محلها القوة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن حكومة السودان ترفض من حيث المبدأ استقبال قوة مشتركة تتكون من أكثر من 20 ألف جندي، مفضلة بقاء القوة الإفريقية البالغ عددها سبعة آلاف رجل فقط. فكيف تتطور الأمور بعد أن أحيلت خطة القوة المشتركة إلى الخرطوم؟
بادئ ذي بدء فإن من الواضح أن الحكومة السودانية ستأخذ ما تحتاج من الوقت «للدراسة» لتقدم بعد ذلك إلى مجلس الأمن ما ترى من ملاحظات وتساؤلات واستيضاحات. من بين التساؤلات المتوقعة مثلاً: ما هي على وجه التفصيل والدقة طبيعة التكليف الذي سوف يسند إلى القوة المشتركة بما لا يتعارض مع اعتبارات سيادة الدولة السودانية على أراضيها ومواطنيها؟
وبالامتداد: إلى من ستكون المرجعية السلطوية النهائية لقيادة القوة العسكرية المشتركة: هل ستكون للحكومة السودانية؟ ومن يملك السيادة السلطوية لوضع نهاية لمهمة القوة وبالتالي إصدار أمر إليها بالمغادرة.. إذا ثبت مثلاً أن القوة تتجاوز في أدائها حدود مهمة التكليف؟
أما التساؤل الأكبر فهو: إذا انتهت الدراسة السودانية للخطة المقترحة إلى رفض نهائي فهل سيكون بوسع الولايات المتحدة تمرير مشروع قرار جديد على صعيد مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات جديدة على السودان؟