طالبنا في مقال الأمس برفع السن القانونية للحصول على رخص القيادة في دولة الإمارات إلى ما فوق العشرين عاماً بدل الثمانية عشر، وذلك بناء على تقارير عالمية منها تقرير منظمة الصحة العالمية الذي أكد أن دولة الإمارات تقع ضمن دول العالم التي تصنف على أنها تشهد أعلى معدلات للوفاة الناجمة عن حوادث المرور، وأشار إلى أن الفئة العمرية دون الخامسة والعشرين هم الأكثر وفاة بسبب الحوادث المرورية في الإمارات.

اعترض البعض على مطالبتنا تلك واعتبرها غير واقعية وتعوق سير الحياة كما ينبغي خاصة للأبناء والبنات الذين يضطر الواحد منهم لاستخدام مركبته بعد تخرجه من الثانوية للذهاب إلى الجامعة.

هذا النوع من المسوغات يمكن رفضه والرد عليه، فدولة الإمارات أولاً أصبحت تعاني من الازدحام الذي يعوق الحركة في طرقاتها، فسير الحياة معوق سواء قاد ابن الـ 18 مركبة أو لم يقد.

أضف إلى ذلك أن أبناء وبنات الإمارات ليسوا الطلاب الوحيدين في العالم الذين يذهبون إلى الجامعات، وجامعات الدولة كلها تقريبا لا تخلو من مواصلات تقل الطلاب في ذهابهم وعودتهم، ومعظم منازل الأسر لا تخلو أيضاً من سائقين يمكنهم القيام بتوصيلهم، فلماذا العجلة في منح الشاب رخص قيادة؟ هل المعايير الدولية أصبحت لزاماً علينا لنتقيد بها وإن كانت تنعكس بالضرر علينا؟

القانون الفرنسي مثلاً لا يجيز منح رخصة القيادة لمن هم دون العشرين، فلماذا لا نفعل مثلهم؟ ولماذا لا نحصي عدد الوفيات بسبب الحوادث، فإذا أشارت النتيجة إلى أن غالبيتهم ممن هم دون الخامسة والعشرين، فلنغير القانون ليخدم مجتمعنا بدل أن نلتزم بتطبيقه لعدة سنوات وان كان سببا في الفتك بأرواح أبنائنا وانقراض سكاننا بين حديد سيارات وإسفلت طرقات.

أعجبني تعليق القارئة أم شهد التي قالت: (إذا كان سن الرشد فوق الواحد والعشرين سنة فكيف نمنح رخصة قيادة سيارة لمن لا نعترف برشده، ولمن لا يحسن التصرف في الأمور المالية ولا يسمح له بالزواج في كثير من الدول؟ كما أن شركات التأمين ترفض التأمين لمن تقل أعمارهم عن 21 عاماً وإن أمنت فبضعف الأسعار المتعارف عليها، الأمر الذي يؤكد إيمانها بعدم تحملهم مسؤولية المركبات التي يقومون بقيادتها).

إن القلق من الحوادث المرورية أصبح متزايداً لدى المسؤولين ولدى أولياء الأمور، وهذا القلق حق مشروع للجميع طالما الجميع يحرصون على ثرواتنا البشرية، وطالما أنهم يرفضون التفريط بها بسبب أمور يمكن تجاوزها من خلال وضع حلول لا يمكن أن تقفز إلينا فجأة ما لم نقم بدراسات وإحصاءات نبني على نتائجها خططاً وبرامج فعالة تمكننا من تقليل هذه الحوادث والحد من مخاطرها.

قد يقول قائل إن هناك العديد من الدراسات التي أجريت، والإحصاءات التي أعلن عنها ومع ذلك لم تحد من الحوادث ولا من أعداد حالات الوفيات الناتجة عنها، ونحن نتفق بعض الشيء مع من يقول ذلك لأننا ندرك أن مشكلتنا الكبرى كمجتمعات عربية هي أننا عندما نعدّ هذه الدراسات ونجمع المعلومات والإحصاءات لا نحولها إلى آليات واقعية تضع حلولاً لمشاكلنا.

لا ننكر دور حملات التوعية والقوانين والعقوبات والمخالفات في حق المتسببين بكوارث بشرية من خلال الحوادث المرورية، لكن هل فكرنا في أسباب عدم نجاح كل ذلك حتى الآن؟ هل أوجدنا البدائل؟ هذا ما نريد أن نناقشه دائماً حتى نصل إلى حلول تثلج صدور أفراد المجتمع.

إذا كانت الهوية المحلية والتركيبة السكانية هموماً قد لازمت أفراد المجتمع من مواطنيه فلابد أن تؤرق الحوادث أيضاً وما ينتج عنها كل مسؤول وكل فرد يستوعب خطر هذه الحوادث التي باتت مصدر تهديد لدولة الإمارات التي تفقد كل يوم تقريبا فرداً من ثروتها البشرية.

maysaghadeer@yahoo.com