بإلقاء نظرة على خارطة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، يتبين لنا انه يعد الأكبر بين جميع القارات، فهو يحتل جزءا كبيراً من آسيا وإفريقيا، بل يصل إلى حدود أوروبا، وهذا الوطن إلى جانب اتساع رقعته يزخر بثروات طبيعية ثمينة من غاز وبترول ومعادن متنوعة، جعلته في أكثر المناطق عرضة للاستغلال والسيطرة.
كما يحتوي على اكبر مخزون للمياه ومصادر طبيعية تتنوع بين إنتاج زراعي وحيواني وبحري لا يستهان به، بل تحسده عليه أية دولة من الدول الكبرى، ولو توحد هذا الوطن لكان هو الأكبر والأقوى، لكن هذا الحلم الذي راود فكر الغيورين على مصلحة وطنهم في عهد مضى والذين حاولوا وفعلوا كل ما بوسعهم لتحقيقه، أصبح مستحيلاً في عهد الغيورين على مصالحهم الخاصة في العصر الحالي.
ومنذ زمن وهذا الوطن من أكثر الأوطان ضعفاً واستسلاماً رغم اتساع رقعته، وهو أيضا من أكثر الأوطان انتشاراً للفقر والأمية رغم ثرواته، ومن أكثر الأوطان استمرارية للقتل والدمار والمعاناة رغم استقلاله!
يقال ان رئيس دولة عربية كان في ضيافة رئيس دولة عربية شقيقة وهما يتبادلان أطراف الحديث في شرفة إقامة الضيف المطلة على بساتين خضراء يعبرها نهر من المياه العذبة قال الضيف: لو كنت أمتلك هذه الأراضي الخصبة، وهذه الكمية من المياه المنتشرة في جميع مناطق دولتكم لصنعت من بلادي جنة فوق الأرض، فرد عليه مضيفه: لو كنت امتلك مخازن البترول في أراضيكم لجعلت من بلادي اكبر قوة على الأرض.
سواء كانت هذه القصة حقيقية أم لا فهي تدل على ان الدول العربية في الواقع تمتلك مالا يمتلكه غيرها، ومصادرها وثرواتها متنوعة، وهي تكمل بعضها، وإن كان البعض منها قد قام بخطوات خجولة بالتعاون الاقتصادي وبالتبادل التجاري فيما بينها، إلا أن هذه الجهود لم ولن ترقى إلى الطموح الذي تأمله الشعوب العربية التي عانت وتعاني من صراعات داخلية واحتلال دمرها، ويجثم على أنفاسها منذ سنين، فهي تطمح في أن تبادر ولو بعض الدول العربية بتوحيد سياستها الاقتصادية على الأقل ما دامت لا تستطيع غير ذلك.
إن إنشاء سوق عربية مشتركة وتوحيد عملاتها واقتصادها سيكون أول خطوة لتوحيد سياستها الخارجية، وهو ما ترى فيه الشعوب البداية للخروج من أزماتها والنهوض بمصالحها المشتركة، وبناء على علاقات قوية وصحية فيما بينها، علاقات تقوم على التعاون في شتى المجالات، وتحقق من خلالها إنجازات للجميع، بدل الاكتفاء بعلاقات تقوم على الدعم والمساعدة عند الضرورة، والتنديد والاستنكار عند العجز!
فالدول الأوروبية التي يضرب بها المثل في النهضة والتقدم رغم اختلاف لغاتها وعاداتها وتقاليدها وأنظمتها استطاعت أن تتوحد، وما قوة عملتها الموحدة ونجاح سياستها الخارجية ودفاعها المشترك إلا دليل على نجاح وحدتها، فماذا ينقص الدول العربية لتتخذ مثل هذه الخطوة؟
لغتها واحدة، ودينها واحد، وكذلك عاداتها وتقاليدها إن لم تكن واحدة فهي متشابهة، بل حتى إمكانياتها التي ذكرناها تفوق امكانيات الدول الأوروبية، فأوروبا لا تمتلك المصادر الطبيعية التي تمتلكها الدول العربية، بل هي تعتمد أساساً على المصادر العربية.
وفي مناقشة مع أحد الإخوة من دولة عربية، قال هذا حلم أجدادنا وآبائنا الذين ظلوا يحلمون بالوحدة حتى ماتوا، والبقية القليلة التي ما زالت تؤمن بهذا الحلم سوف تظل تحلم إلى أن تجبر على نسيانه، والخوف من أن يأتي يوم تجبر فيه حتى على نسيان لغتها وثقافتها، وقد يأتي جيل يحتاج إلى شفرة لفهم اللغة العربية التي سوف تستريح في بطون الكتب.
قلت له: أخالفك الرأي، فما دام هناك أحلام تحققت فهناك أمل قائم والدليل الطفرة الشاملة التي شهدتها دولة الإمارات، وعلى الدول العربية الاستفادة من السياسة الاقتصادية وخدمات البنية التحتية الحاصلة في دولة الإمارات وسعي قادتها الدائم إلى دعم عمليات التنمية في مختلف المجالات لخدمة جميع الشعوب العربية.
وهذا ما جسدته المبادرة السخية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتخصيص عشرة مليارات دولار لدعم التنمية العلمية العربية، فمثل هذه المبادرة لا تأتي الا من رجل يفكر بالنهضة وبمستقبل العرب، رجل ترجم طموحه إلى واقع يشهد ويتباهى به الجميع.
رجل جاء بمبادرة هي الأولى من نوعها، لنشر المعرفة في جميع الدول العربية، لأنه أدرك برؤيته أن الوقت قد حان للفعل، لا للقول، وأن التقدم العلمي والمعرفي هو الخطوة الأولى باتجاه المستقبل، وهو أساس تقدم الشعوب ونهضتها.
جاءت هذه المبادرة الفريدة لتبعث الأمل في نفوس المجتهدين الطموحين على العمل لإحداث نهضة عربية حقيقية، نهضة تحرر عقول المبدعين والكفاءات العلمية من قيود الغرب والسعي لخدمة أوطانهم. وجاءت هذه المبادرة لتكون بداية لأول انتصار عربي وسط هذه الانكسارات، إن هذه المبادرة تحتاج إلى صفحات لتأخذ حقها، وللحديث صلة.
كاتب إماراتي
