استغرب المتابع العربي هذا القتل المروع لجحيم نهر البارد فقد تحسنت معلوماتنا الجغرافية حول خط منطقة النهر البارد خلال الحرب اللبنانية - الإسرائيلية في يونيو العام 2006، وازدادت ثقافتنا السياسية والجغرافية هذه الأيام عن تمركز مخيم فلسطيني في الشمال ضمن محيط منطقة طرابلس كواحد من المخيمات الفلسطينية البائسة.
حيث يتمركز الفلسطينيون بين مخيمات عدة في لبنان، ويعيشون ضمن آلية ونمط من الحياة اليائسة والمحبطة فهم يدورون في الفراغ بين القاعات المغلقة والساحات المفتوحة فلا يجدون إجابات شافية عن ملف عودة اللاجئين ولا يرون في الاقتتال والنزاع الفلسطيني في غزة ولا في عربدة إسرائيل خلاصا ولا في الاختلاف السوري اللبناني مخرجا لقضيته، مما يسهل وقوع المحبطين في فخاخ المنظمات الجديدة والارتماء في حضنها بسهولة كسهولة الانشقاق من منظمات تآكلت بالبيانات والتبعية.
لهذا بات الإنسان الفلسطيني في المخيمات اللبنانية، خاصة الجيل الشاب - وهم أحفاد فلسطينيي النكبة والمفارقة أن جحيم الموت جاء في ذكرى النكبة - فهؤلاء الشباب عرضة للسقوط في غواية المشروع الجهادي وتفضيل الموت على الحياة مهما تكون المغامرة، وتتحول صورة المنظمات الجهادية في العراق وأفغانستان وغزة نموذجا معاصرا ومثاليا، عليهم الاحتذاء بها. ضمن هذا الإطار السوسيو - سياسي لواقع مخيم نهار البارد الفلسطيني ماذا يمكننا أن نتوقع بين الفينة والفينة ؟
وما هي الثقافة السياسية اليومية للعاطلين واليائسين من الحياة داخل المخيم ؟ ومن الذي بإمكانه أن يحقن هؤلاء الشباب بأمصال المناعة السياسية عن السقوط في التشدد والارتماء في أحضان القاعدة أو غيرها رافعة الشعارات البراقة، وبأن اللاجئين لا يجوز المساومة بملفهم فيتم دغدغة مشاعرهم بالحلم البعيد بينما الواقع الآني لا يمنحهم حتى ابسط تسهيل انساني في عصر تضخمت فيه تقارير منظمات حقوق الإنسان بكم هائل من الصفحات!
والعجيب أن من يرفعون في وجه أولئك الشباب المحبط شعارات العودة هم من يفهمون لعبة مسرحية الحقيقة والقناع، فلا بأس من تسييج وصياغة نسيج منظمات مستمرة وتفريخ شبكات جديدة كانت في السبعينات منظمات عسكرية ويسارية وقومية واليوم تصبح منظمات إسلامية وقومو ـ إسلامية، لهذا يسهل لنا أن نسمع في كل مرحلة عن منظمات تقودها مجموعات صغيرة لا تزيد على المئات.
وكل ما تحتاجه تلك الشبيبة هي رواتب تفك بها ضنك العطالة وتدريب عاجل على مفاهيم الجهاد السائدة، فقد تعلمت المنظمات الفلسطينية وشبيبتها خبرة السبعينات أن الانضمام للمنظمات مسألة سهلة طالما توفر العمل، والعمل للفلسطيني الشاب في المخيمات مفهوم لا يبتعد عن معنى الالتحاق بمنظمة ترفع شعار العودة وكل الشعارات البراقة، بحيث بدت له جميعها متقاربة متماثلة فلا فرق من أن ينضم هنا أو ينضم هناك وفق التكوينات العائلية والمناطقية والشللية والمحيط اليومي.
من تابع منا منظمة حركة فتح الإسلام يندهش من مسائل عدة، بما فيها تصريحات حزب الله الذي حدد أن الجيش ومخيم نهر البارد خط احمر فمنح المجموعات التي تسببت في خلق ذلك الجحيم نوعا من «الطمأنينة السياسية» بحجة أن من يخلقون المشكلة هم الأميركيون، فيلتقون تحت مظلة واحدة في عدائهم للثنائية المتحالفة إسرائيل والولايات المتحدة، فتجد القاعدة لها مرتعا خصبا للنمو، بل وتجد قوى القناع الخفية بيئة ملائمة لتفريخ مثل هذا الجحيم بكل سهولة، جحيم مخيمات مسلحة بالميليشيات والأسلحة والأموال المسربة.
وما يجعل المخيمات عالما مغلقا بالهاربين هو أن من تطلبهم العدالة في بلدان معينة يجدون في لبنان ومخيماتها قاعدة اجتماعية وملجأ سياسيا خاصة وان الهاربين يحملون هوية فلسطينية حتى وان كانوا بمستوى زعيم حركة فتح الإسلام شاكر العبسي، صديق الزرقاوي ومحكوم غيابيا بالإعدام في الأردن ومطرود من سوريا بعد إنهاء مدة حكمه بعد أن كان ضمن فصيل منظمة فتح الانتفاضة الفلسطينية المتمركزة في لبنان.
ولكننا سرعان ما وجدناه ينشق ويشكل تنظيما جديدا باسم فتح الإسلام، والذي عرفه العالم في نوفمبر 2006 أي بعد حرب طاحنة بين لبنان وإسرائيل . فكيف لا تتعاون أطراف إقليمية ثلاثة ضد المنظمات الإرهابية مهما اختلفوا في مشاكلهم كالأردن ولبنان وسوريا ؟.
فهل كان ذلك إفرازا فلسطينيا طبيعيا، في واقع فلسطيني تنتشر فطرياته بعد أمطار غزيرة نتيجة كل حرب! والعلة في تلك المخيمات أنها عالم مغلق وكل ما تقوم به المؤسسات الأمنية والعسكرية أنها تتحكم في المداخل والمخارج أما ماذا يدور داخل تلك الجدران فالله وحده يعلم بذلك! ولماذا يحمل الفلسطيني سلاحه ضد العدو الإسرائيلي بينما يصبح في الواقع سلاحا موجها في نهاية المطاف ضد السلطات المحلية ويتحول إلى جحيم ضد شعبه؟
كما رأيناه في الكارثة الأخيرة والخسائر البشرية بين الجيش اللبناني والسكان الأبرياء في المخيم. كما لا بد وان نركز على تضخم هذه الظاهرة والتي أفرزتها عملية الاستقطاب والتجاذب اللبناني - اللبناني والذي افرز رائحة طائفية ودينية من جهة وسياسية من جهة أخرى، ففي الوقت الذي انقسم فيه الإسلام السياسي السني بين مجموعات تميل في طرابلس إلى تيار الحريري ومجموعات تميل إلى القاعدة وحزب الله، باعتبارهم تيارين الأول ضد أميركا وحلفائها والآخر معها .
بهذا التركيب اللوني يتم فرز لبنان الجديد، وبذلك يلتقي فتح الإسلام مع حزب الله كاصطفاف تبلور مع مرور الأيام في مناهضتهم لأميركا وإسرائيل، ارتكازا على الدين وتجاوزا للطائفة بينما التقى الحريري والأطراف الأخرى على أساس اللبننة ومظلة رفيق الحريري، التي وحدت الجميع ثم تخندقتا كجبهتين الواحدة ضد الأخرى.
وفي الوقت الذي كنا نود أن نرى حزب الله وتياره يقف مع حكومة السنيورة والمخيمات الفلسطينية في محنة لبنان الأخيرة، نراه يمسك بجزء من المسألة ويتخلى عن الجزء الآخر، في وقت يعيش فيه الجميع حالة التوجس من تمارين إسرائيل الحالية في غزة، وربما ليست إلا تسخينا لصيف مجهول .
فكيف يمكننا نسيان قذائف الموت والجحيم في مخيمات نهر البارد ؟ وكيف نزيح عن ذهننا الحقيقة والقناع في مسرحية غامضة بالمدافع والتنكيل العشوائي ؟. بهذا المعنى كتب ديستوفسكي «عندما ينّصب مدفعية، رائعة في أحد الشوارع في مكان ما. ويحصد البريء والمذنب، دون أن يتفضل بتبرير نفسه، أطع أيها المخلوق المرتعش ولا تشاكس، لأن ذلك ليس من شأنك».
كاتب بحريني
