أكدت لكم في نهاية مقال الأمس بأن هناك قضايا لا يجب أن يتوقف الحديث فيها وحولها حتى نضع النقطة الصحيحة في نهاية الجملة، والنقطة الصحيحة هي أن نجد لهذه القضايا مخارجها وحلولها المناسبة، من هذا المنطلق نكتب دائماً حول البطالة والتوطين وخلل التركيبة وإشكاليات الهوية والثقافة الوطنية وتدهور الإعلام والتعليم، ليس لأننا ندور حول أنفسنا أو ضمن حلقة مفرغة، ولكن لأن الطرق على الأبواب يؤدي إلى فتحها ـ غالباً ـ إذا كان هناك من أحد خلف الأبواب!

في الندوة التي نظمتها وحدة الدراسات بجريدة «البيان» والتي تشرفت بالمشاركة فيها ودارت حول قانون المطبوعات المتوقع أن يرى النور قريباً.. أثيرت قضية التوطين في الإعلام وهنا كان للأخ ظاعن شاهين رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «البيان» مقترح بأن يتضمن القانون الجديد مادة ملزمة للمؤسسات الصحافية بنسبة توطين معينة.. فكان أن رد عليه السيد علي جاسم عضو المجلس الوطني بأنهم في إذاعة أم القيوين قد أجروا اختبارات لبعض المتقدمين للعمل فوجدوهم لا يعرفون أسماء الوزراء في حكومة دولة الإمارات ما اعتبره هو أمراً كارثياً لا يصب في صالح توطين الإعلام هكذا قال أو هكذا فهمت!

وهنا أحاول أن أنعش ذاكرتكم بأننا قضينا في الإمارات زمناً طويلاً محكومين بتلك الثقافة السلبية حول عدم كفاءة المواطنين والتي ساهم في تكوينها بنسبة 10% أبناؤنا من الشباب الذين توجهوا للعمل في القطاع الخاص (المصارف تحديداً) بينما ذهب نسبة الـ 90% من تلك الثقافة للوافدين والأجانب الذين أسسوا ونشروا تلك الثقافة كدفاع أولي ضد سياسات التوطين التي تبنتها الدولة والحكومة منذ سنوات وخاصة في القطاع المصرفي، وها نحن نعود للدائرة المغلقة نفسها كلما خيم على أي نقاش ظل التوطين والإحلال وكأن قدرنا أن نبقى نشحذ الوظيفة في بلادنا ونصارع لانتزاع حق العمل لشبابنا، وكأن القاعدة أن يعمل الكل عندنا على الرحب والسعة، والاستثناء أن يطالب المواطنون بالعمل!

إن الذين يعملون في إعلام الإمارات ليسوا أكفأ من أبناء الإمارات، هذه حقيقة أعلم بأن كثيرين لن يوافقوا عليها ولن يتقبلوها والسبب تجاربهم ومشاهداتهم التي تضعهم دائماً أمام النموذج غير المواطن في التلفزيون والجريدة والإذاعة وأمام الكاميرا وخلف الكاميرا، أما المواطن فغير موجود، ولأنه غير موجود (بالكثرة وليس بالمطلق) فهو إذن غير كفء ولأنه غير كفء فهو غير مفضل، ولأنه غير مفضل وغير مرغوب فيه فإن البديل هو الأكفأ والأفضل.. ولم يفكر أحد لماذا صار المواطن في الإعلام مقصياً في الصفوف الخلفية أو مقصياً خارج المؤسسة الإعلامية، وخارج قرار المؤسسة إذا كان في داخلها!!

في الإعلام ـ كما في أي مجال ـ لا تتكون الخبرة سوى بالعمل الطويل والحثيث والمتراكم، لا يتكون التراكم إلا بفسح المجال وبالتجربة والخطأ، لا تتكون التجربة إلا بإعطاء الفرص للإنسان ليظهر ما عنده وبالتشجيع والحرص والتدريب والصقل .. لا تصقل التجربة إلا في موقد العمل، أما حين يصبح وجود المواطن مجرد ديكور نتباهى به أمام صانع القرار لإثبات حسن النوايا تجاه التوطين وتجاه المجتمع فإن من دواعي الكرامة أن يخرج المواطن من الصورة، والمصيبة انه في كثير من مؤسساتنا الإعلامية يدفع المواطن للخروج، ليتفرد بتسيير الإعلام وصناعته من ليسوا من أبناء الوطن وليثبت أمام صانع القرار نظرية أن المواطن لا ينفع لأي عمل!!

ayya-222@hotmail.com