بدأت قصة العرب الأفغان عندما بدأت الجماعات الإسلامية في أفغانستان وباكستان بالقتال ضد وجود جيش الاتحاد السوفييتي في أفغانستان في الثمانينات عندما كان يدعم النظام اليساري في كابول. لقد تدفق عدد من العرب (المجاهدين) إلى أفغانستان وعلى الحدود الباكستانية الأفغانية وانطلاقاً من باكستان، وكانت مجموعات منهم تحصل على دعم أميركي ومن بعض الدول العربية الإسلامية.
وبعد انسحاب الجيش السوفييتي، أصبح هؤلاء عبئاً على أفغانستان وباكستان، فبعضهم عاد إلى بلاده ليمارس جهاده ضد الأنظمة وبعضهم بقي في باكستان وأفغانستان، وانقلب السحر على الساحر، فتحولوا مع نظام طالبان في أفغانستان ضد الأميركان وبخاصة بعد حوادث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وجاءت مرحلة أخرى في وضع الأفغان العرب عندما شنت الولايات المتحدة حرباً على نظام طالبان وأسقطته، فتحول تنظيم القاعدة ليكون عالمياً يضرب في كل مكان يتمكن من ضربه، وكان ولا يزال العرب الأفغان أساس هذا التنظيم وهذه العمليات.
ولفظ الأفغان العرب جاء من تواجد هؤلاء أساساً في أفغانستان وتبنيهم نهج السلف المتطرف الذي انتهجته منظمة طالبان، والذي ينتهجه أسامة بن لادن السعودي وأيمن الظواهري المصري. وأصبح هؤلاء (المجاهدين) الأفغان العرب بين المطرقة والسندان بين ضغط الأميركان، وضغط الحكومات العربية والإسلامية، فالأنظمة التي كانت تشجعهم في الماضي لمواجهة الشيوعية والاشتراكية لا تحتمل تطرفهم اليوم، لأنه يشكل خطراً عليها.
كما أن هؤلاء الأفغان العرب وتنظيم القاعدة الذي ينتمون إليه، قام بعمليات عسكرية وانتحارية عنيفة في عدد من الدول العربية والإسلامية، كانت ضحيتها أعداد كبيرة من الأبرياء، كما أن مثل هذه الأعمال الإرهابية تشكل خطراً على الأنظمة وعلى الاستقرار في هذه الدول، وعليه لا بد والحالة هذه من العمل الجاد والحازم لمواجهة هذا الإرهاب الذي يشكل الأفغان العرب عموده الفقري. وللحقيقة هناك من يتعاطف مع ما يقوم به تنظيم القاعدة في بعض المناطق وبخاصة العمليات الموجهة ضد الأميركان لأن السياسة الأميركية تجاه العرب والمسلمين ليست عادلة.
لكن يؤخذ على تنظيم القاعدة أنه لجأ إلى عمليات إرهابية عرضت حياة العديد من الأبرياء للقتل والدمار وأنها لا تتوجه بشكل أساسي نحو إسرائيل الذي يفترض أنها العدو الرئيسي لأولئك (المجاهدين) عدواً عقائدياً وسياسياً. لم نسمع عن عمليات قامت بها القاعدة في إسرائيل، والمؤلم أن معظم ضحايا عملياتها هم من الأطفال والنساء والشيوخ.
والإرهاب ليس فقط عمليات انتحارية وعسكرية بل هو أوسع وأكبر من ذلك بكثير وأخطرها الإرهاب الفكري الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تلجأ إلى تفسير خاص بها للنصوص الدينية، وإلى أخذ بعضها مجتزأة لكن هذا ليس موضوعنا هنا بل تركيزنا ينصب على الأفغان العرب. وما لم يغير تنظيم القاعدة والأفغان العرب نهجهم الإرهابي فان مصيرهم التآكل والانتهاء لأن العمليات الانتحارية ضد الأبرياء انتحار للتنظيم ونهجه وهو ظاهرة ستختفي لا محالة».
لقد شهد التجمع العربي بزعامة الشيخ عبدالله عزام قبل مقتله تفككاً وتصفية، ثم شهد وضع الأفغان العرب وتنظيم القاعدة انقسامات واختراقات من أجهزة المخابرات العربية والدولية.. إن هذا التنظيم يفتقر إلى العمل السياسي ويفتقر إلى النشاط الثقافي الديني وتطرفه وصل حد رفض التسامح والوسطية واعتبار الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة كافرة، ومن كفّر مسلماً فقد كفر. فأي مصير ينتظر هؤلاء، ومهما طال الزمن سينقرض وسينتهي. وأي إسلام يريدون عندما يقتلون الأبرياء بعمليات تستهدف الأسواق والمدارس والمطاعم وغيرها.
إننا نعيش مرحلة تاريخية ساد فيها التطرف والإرهاب ويساهم الأفغان العرب بنصيب أساسي في هذا الإرهاب لكن إلى متى سيسبح هؤلاء عكس التيار حتى لو قرروا جميعاً أن يذهبوا إلى الجنة بأسرع وقت؟!
وهناك كتاب بعنوان: «ثرثرة فوق سقف العالم» لمؤلفه أبو الوليد المصري يتحدث فيه عن مأساة الأفغان العرب في أفغانستان وباكستان فقد ذكر أن تنظيم (الخلافة) الذي هو التجمع العربي في بشاور قد كفّر من لم يبايعه، وهدد عرب باكستان بأن سوف يسبي نساءهم، وأبو الوليد هذا قد أشرف على مجلة (الإمارة) التي كانت تصدر في قندهار لسان حال الملا عمر زعيم طالبان، ويظهر من طروحاته أنه أصلاً كان عضواً في تنظيم الإخوان المسلمين. وتحدث كثيراً عن خلافات الأفغان العرب وانشقاقاتهم انظر حلقات الكتاب في جريدة القبس الكويتية أكتوبر 2006م.
لقد صدم بعض الذين تطوعوا للجهاد في أفغانستان بالواقع في تلك البلاد وفي باكستان، حيث ينظر لهم نظرة المرتزقة والأجانب على الرغم من المعاملة الظاهرية التي تكفلها تعاليم الإسلام، كما شعر بعضهم بالتهميش لا بل بدفعهم للموت أكثر من غيرهم، إضافة إلى ضعف إيمان بعض أولئك المجاهدين فقد تحدث بعضهم عن جماعة الزرقاوي في العراق بأنهم لا ينتظمون في أداء الصلاة ويريدون ثمن العمليات التي يقومون بها مادياً!
إن تنظيم القاعدة ينتحر لكن المهم والأخطر هو قوى الإسلام السياسي التي تشكل الحاضنة الأساسية للإرهاب حتى وإن تظاهرت بالوسطية والاعتدال فهي تتظاهر بذلك تكتيكياً عندما يزداد الضغط عليها ولكنها متطرفة حتى النخاع ورافضة للآخر وعدوة للديمقراطية عندما تكون لها السطوة والسلطة والنفوذ، ولديها قدرة على التكيف والتراجع عندما تواجه ضغطاً من الأنظمة أو من قوى المجتمع المدني وغيرها من دولها.
وبعد هذا القتل والدمار الذي تمارسه الجماعات الإرهابية ما هي النتيجة التي تتوخاها، والتي من الممكن أن تصل إليها؟ إنه وبكل تأكيد لن تستطيع تدمير دولة عظمى كالولايات المتحدة، وما تناله من مصالحها خدوش في هذه الإمبراطورية ليس إلا فحتى مثلاً في ساحات العراق وأفغانستان وغيرها أقل من ضحايا حوادث المرور في شوارع المدن الكبرى فيها، ثم لنفترض أن بعض هذه الجماعات المتطرفة استلمت السلطة في بعض الدول التي تمارس فيها إرهاباً ففي عصر لا مكان للدولة الدينية التي بنيت على الإرهاب فإن ذلك لن يستمر طويلاً وتجارب بعض تلك الجماعات أمام ناظرنا في تاريخنا المعاصر إذن ستعود إلى نقطة الصفر، ولن تحقق شيئاً غير الدمار والقتل لنفسها ولغيرها، ونحن لا نبرئ دولاً مثل الولايات المتحدة من دفع بعض تلك الجماعات إلى التطرف لكن هذه الجماعات تتحمل مسؤولية القتل والدمار وعدم الاستقرار قبل غيرها.
كاتب كويتي