اليوم يجلس الأميركيون والإيرانيون حول طاولة حوار في بغداد. اللقاء على مستوى السفراء. جدول الأعمال محصور ـ حسب المعلن ـ بالوضع الأمني العراقي فقط. يحصل هذا التطور على خلفية علاقات مأزومة، سادها التوتر على مدى العقود الثلاثة الماضية. وبالتالي يجتمع اللدودان في ظل حالة من انعدام الثقة ومن أكوام الشكوك المتبادلة.

في هكذا ظروف لا تكون الفرص جيدة لمردودات إيجابية، وربما بقي الاجتماع في إطار جس النبض واختبار الآخر. وقد يكون من نوع اللقاءات اليتيمة، بحيث لا ينتهي إلى توافق على تحديد موعد آخر قريب لاستئناف الحوار. مع كل ذلك فهو يأخذ صورة الحدث الواعد.يكفي أنه الاتصال العلني الرسمي الأول بين واشنطن وطهران، منذ الثورة الإيرانية؛ قبل حوالي ثلاثين سنة. كما يكفي أن كلا الطرفين وجد فيه ما يخدم مصلحته وحساباته الآنية.

إذن هناك ثمة قاسم مشترك، أقل ما فيه أنه يكسر الجليد بينهما وقد يؤسس، كبادرة، لفتح خطوط تواصل أوسع وأرحب. وبهذا يشكل حوار واشنطن وطهران، اليوم في بغداد، نقطة انعطاف؛ مهما كانت زاويته صغيرة.وهنا أهميته. لكنها أهمية مرتبطة في النهاية بما قد يتمخض عنه هذا التحول على تواضعه. فالساحة العراقية تحتاج إلى ما يفرمل التدهور المريع الجاري.

من هذه الزاوية، التوقعات لا ترجح حصول تقدم؛ على المدى القريب، كل جانب يأتي إلى الطاولة ومعه رزمة شروط ومطالب طويلة عريضة. واشنطن تقول: إنها تنوي مفاتحة طهران بقائمة «الخطوات المطلوبة منها والتي تساعد في استقرار العراق». وحرصت عشية اللقاء، على زيادة حشدها العسكري البحري في الخليج. وطهران تريد من إدارة بوش «الاعتراف بخطأ سياستها في العراق، مع إبداء الاستعداد للتغيير». كما حرصت عشية الاجتماع، على إعلانها بأنها كشفت أمر شبكة تجسس أميركية؛ فوق أراضيها.

في ذات الوقت كلاهما يدخل قاعة الاجتماع، من غير إجماع في عاصمته على كيفية التعامل وبأية حدود، مع الآخر. الصحف الإيرانية، تحدثت عن «انقسامات بين كبار المسؤولين الإيرانيين»؛ في هذا الخصوص وكذا الحال في واشنطن. التقارير الأميركية ـ منها مجلة تايم ـ تذكر أن فريق رايس «يريد الحوار» المفتوح؛ بينما نائب الرئيس تشيني يريد خفض السقف.

أكثر من ذلك، ذكرت المجلة أن حوالي ثلاثين شخصية نافذة من المحافظين الجدد ومعهم يوري لوبراني مستشار أيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، يستعدون لعقد لقاء في جزر البهاما بغرض التداول بشأن «الخيارات المتاحة جميعها للتعاطي مع إيران». بعض هذه الشخصيات يدعو إلى قصف إيران»؛ أو إلى «عدم إسقاط الخيار العسكري» ومنهم السفير السابق بولتون.

كل ذلك يجعل من المستبعد حصول أية اختراقات في جلسة اليوم، بين السفيرين الأميركي والإيراني في بغداد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استبعاد أية حلحلة. فالضرورة قاضية وللظروف أحكام. ولا جدال بأنه لولا الاضطرار، لما حصل اللقاء، وهنا تكمن إمكانية حصول فتحة ضوء، في الوضع العراقي؛ ولو أن غياب العراقيين ـ ناهيك بالعرب ـ يشكل أحد أعطاب هذا التطور.