صحيح أن السياسة لا تعرف إلا لغة المصالح كما يقال، بيد أن تصريح رئيس الوزراء اللبناني الذي جاء فيه أن الجيش اللبناني يدافع عن حمى الوطن في الجنوب في مواجهة العدو ويخوض حرباً ضد الإرهاب على جبهة الشمال، لا يمت لا للسياسة ولا حتى بالأخلاق بأي صلة، ذلك لأنه ينطوي على ممارسة فاضحة للكذب حول الدور الذي يلعبه الجيش في جنوب لبنان بعد أن اعتبر قادته، السياسيين والعسكريين منهم، الغزو الإسرائيلي له نزهة يقوم به الجار تستوجب حسن الضيافة والحفاوة به.

ولإنعاش ذاكرة الرئيس ومن لف لفيفه ممن يغالطون التاريخ والواقع فلا بد من العودة إلى الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1948، كما يطلق عليها في الأوساط العبرية، والتي أفضت إلى ما بات يعرف اصطلاحاً بالنكبة وهزيمة الجيوش العربية كافة وتوقيع اتفاقات هدنة بين الدولة العبرية الناشئة وقتئذ وبلدان الطوق العربية وبالطبع، فإن تلك الاتفاقات تنص على احترام مبدأ عدم الاعتداء، الذي تم اختراقه، كما هو معروف، مراراً و تكراراً من الجانب الإسرائيلي فيما التزمت به البلدان العربية التزاماً صارماً منقطع النظير على الرغم من وحشية تلك الخروقات.

ومن نافلة القول إن لبنان وجيشه الباسل كانا في طليعة الملتزمين بقرار الهدنة المشؤوم ذاك، لكن الصورة لا يمكن أن تكتمل بدون العروج على واقع يفيد أن الجيش اللبناني لم يقف دائماً على الحياد، مثلما دأب على القيام بذلك مع كل اجتياح إسرائيلي لأراضي بلاده، في الحروب و الصراعات والاصطفافات الداخلية، فلقد شكل هذا الجيش «المحترف» طوق نجاة للعديد من القوى والأحزاب الطائفية اللبنانية في غير مرة .

وكان طرفاً أساسياً في الحرب الأهلية اللبنانية ووقف بقوة إلى جانب القوات والكتائب اللبنانية ومارس معها ما مارسته من جرائم بحق أطراف ومواطنين فلسطينيين ولبنانيين حين كان القتل يمارس على الهوية. لكن مسلك الانطواء على الداخل والاكتفاء بمهام تتعلق بالشأن الداخلي ليس غريباً على واقع وتوجهات النظام الرسمي العربي، الذي لا يختلف اثنان على أن بعض جيوشه الجرارة إنما وجدت وأنشئت وسلحت ودربت لهذا الغرض بالذات.

لكن السؤال هو: كيف استطاع هذا المسؤول العربي أن يرخي العنان لمخيلته ويخلط بهذا الشكل الفظيع بين مسلمات الواقع السياسي الذي يعيشه لبنان منذ عهد الاستقلال الشكلي، الذي حظي به في أعقاب اقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية بين القوى الدولية، التي كسبت الحرب العالمية الأولى، ذلك الواقع الذي يبين بوضوح أن ثمة أدواراً لا بد من لعبها حتى يبقى كل في مكانه متمتعاً بما منحته إياه قوى الاستعمار الغربي مقابل القيام بالدور الذي أوكلته إليه والمتمثل في حماية حدود الدولة العبرية، فضلاً عن حماية أنظمة سياسية جوفاء طبعاً.

كنا نتمنى على هذا المسؤول وجيشه المقدام وبدل أن يهب هذه الهبة العصماء على جبهة حدود مخيم نهر البارد، التي لا يتجاوز طولها كيلو مترا واحدا أن يتمتع بالحمية والنخوة نفسيهما ويلوذ من حمى الوطن بأرضه وسمائه ومياهه من الانتهاكات والاجتياحات المتكررة لجيش لا يزال يعتبر عدواً وعلى الورق فقط، فلا داعي للاسترجال على الضعيف ومهادنة القوي، لا سيما وأن الحملة العسكرية ضد أهالي المخيم لن تغير في واقع الأمر شيئاً، إلا إذا كان المطلوب لا يخرج عن إطار التثبيت الشكلي لموقف الحكومة اللبنانية وموقعها على خارطة ما تسميه الإدارة الأميركية الحرب على الإرهاب.

خاصة بعد ان باتت الحاجة ماسة إلى الربط بين تنظيم أي تنظيم وبين تنظيم القاعدة حتى لو كان هذا الربط على حساب الحقيقة والواقع ومجرد ضرب من خيال ومن بنات أفكار المتحكمين في مقاليد الأمور من المحافظين الجدد القابعين في البيت الأبيض الأميركي الذي فقد كل الذرائع والتبريرات التي يمكن له ان يسوقها لحفظ ماء الوجه في حروبه الجائرة التي يشنها في غير مكان العالم.

لقد باتت مفضوحة تلك الحركات المسرحية ولم يعد ينطلي على احد ما ترمي إليه من تقديم فاتورة حساب لجهات أجنبية ترعى هذه الحكومة وتساندها لغرض في نفس يعقوب، ذلك أن سيادة الأوطان غير قابلة للتجزئة وما ينطبق على أزمة فتح الإسلام، المفتوحة على كل الاحتمالات، كان من الأجدر تطبيقه على جميع الحالات التي يواجهها لبنان دون تمييز.

إن سرقة بنك لا تنتهك سيادة بلد ما، لكن اجتياحه من قبل قوة أجنبية معادية هو الانتهاك عينه للسيادة الوطنية وهنا بالذات كان على الحكومة اللبنانية وجيشها أن يتحركا وهذا هو الموضع الصحيح والسليم الذي تتحرك في كنفه الجيوش عادة ولتترك الأحداث الداخلية للقوى المعنية بذلك.

bassil@albayan.ae