في إدانة إنسانية للانتهاكات التي ترتكب باسم ما يسمى الحرب على الإرهاب كشفت منظمة العفو الدولية «امنستي» أنه «ليس هناك ما يصور بدقة الطابع العالمي لحقوق الإنسان مثل الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة وبرنامجها الخاص بالترحيل الاستثنائي والذي شاركت فيه بلدان أبعد ما تكون عن بعضها البعض من ايطاليا إلى باكستان ومن ألمانيا إلى كينيا».
وجاء في تقرير أمنستي أن ما يسمى الحرب على الإرهاب والحرب في العراق بما حفلت به من انتهاكات جسيمة أدت إلى تعميق الانقسامات وإلقاء ظلال قاتمة على العلاقات الدولية مما يجعل من الصعب حل النزاعات وحماية المدنيين.وفي الشأن الفلسطيني قالت المنظمة إن المجتمع الدولي لم يبد أي اهتمام للتصدي لكارثة حقوق الإنسان الناجمة عن القيود الشديدة المفروضة على تنقل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أو الهجمات التي يشنها الجيش الإسرائيلي دون تقدير للعواقب أو التقاتل فيما بين الفصائل الفلسطينية.
وفى هذا التقرير الأخير لإمنيستى إشارة واضحة لممارسة الدول الأكبر للإرهاب الأكبر باسم الحرب ضد الإرهاب الأصغر في الدول والجماعات الأصغر، وهو ما حدث ويحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال، ويبدو شبحه في الظهور أخيرا في لبنان، وفى ظل هذا فالكل يدين «الإرهاب» الأكبر والأصغر معا، كل وفق مفهومه وعلى طريقته..العقلاء والأدعياء، والعادلون والمغرضون.
العقلاء يدينون «الإرهاب العشوائي» باعتباره جريمة ضد الأبرياء، لكنهم في الوقت ذاته يؤيدون المقاومة المسلحة للشعوب باعتبارها دفاعا مشروعا ضد قوات الاحتلال المسلحة، والبعض يدين لمجرد الإدانة من باب تسجيل المواقف، والأدعياء يدينون الإرهاب الأصغر ويصمتون عن إدانة الإرهاب الأكبر، والمغرضون يورطون أنفسهم بالدفاع المدفوع عن الإرهاب الصهيوني والأميركي الأكبر بتبريرات مفلسة تحمل المعتدى عليهم المسؤولية عن إرهاب المعتدين.
والبعض يكتفي بالإدانة لكل ما يطلق عليه إرهابا سواء أكان عنفا إجراميا أو مقاومة وطنية دون البحث عن الأسباب والدوافع، والبعض يعدد أسبابا ملفقة للعنف الناتج عن انسداد الآفاق السياسية والسلمية دون أن يصل إلى الأسباب الحقيقية، والبعض يصل إلى عدد من الأسباب الحقيقية دون مبادرة واقعية للعلاج أو دون اتفاق بين الجميع على وسائل المواجهة.
وهناك من يصل بالإدانة العمياء إلى الخلط بين الإجرام الإرهابي وبين المقاومة الوطنية، متجاهلا عن غرض أو عن تجاهل أن النضال الشعبي من أجل الحرية ليس إجراما، وأن الإجرام العشوائي بحق الأبرياء ليس نضالا، بل يصل البعض في الإدانة إلى حد منع نفسه بل ومنع غيره بالإرهاب الفكري من مد البصر إلى الجذور لاقتلاعها أو محاولة البحث عن الدوافع لعلاجها بهدف إزالة أسباب تلك الظاهرة الخطيرة التي تتزايد رغم ما يسمى «بالحرب الدولية على الإرهاب» أو «بالمظاهرات الشعبية للتنديد بالإرهاب»، والتي بات التصدي لتفكيكها ومعالجة أسبابها هي أول التحديات.
وسواء على مستوى الأوطان أو الأمم، على مستوى الحكومات أو الشعوب، الكل يدين «الجرائم الإرهابية»، خصوصا بعدما عاد العنف يتفجر من جديد في لبنان ربما بسبب الفراغ السياسي للدولة والجمود الحكومي في معالجة الأزمات، والانقسام الوطني والشحن المذهبي والطائفي، والتدخل الخارجي الساعي هذه المرة إلى فتنة لبنانية فلسطينية وبعدما عاد العنف العشوائي يضرب من جديد في «المغرب الإسلامي» كما وصفه تنظيم القاعدة بالمغرب العربي الذي قام بهذه العمليات.
بينما يختلف الجميع حول تعريف «الإرهاب»، وكل من زاويته يدين ما يعتبره إرهابا، إرهاب الدول الأكبر بالطائرات والبوارج والصواريخ، أو إرهاب الجماعات والأفراد الأصغر بالأحزمة الناسفة والألغام والمفخخات.. بحيث تبدو الصورة في النهاية وفقا للعديد مما نقرأ ونسمع ونشاهد متقاطعة الألوان ومختلطة الأوراق، وغير محددة المعالم.
إن مشكلة التطرف الذي يستخدم العنف العشوائي من أي طرف ضد الأبرياء والمسالمين لا ضد المحتلين أو المعتدين، بهدف عدواني مرضٍ، أو حتى بهدف نبيل كمقاومة قهر الشعوب بالقوة سواء بالاحتلال الأجنبي أو ظلم الشعوب بالاستبداد المحلى أو بالاستغلال الاقتصادي، هو أمر تحرمه الشرائع الدينية وتجرمه القوانين البشرية وتأباه الإنسانية، لكنها تبقى مع ذلك نتيجة وليست سببا، وعرضا خطيرا لمرض كبير، والإقرار بتلك الحقيقة البسيطة لا يتناقض مع الإدانة الكبيرة.
والمدخل الطبيعي للقضاء عليه هو بمعالجة المرض الأصلي وبالتالي زوال العرض غير الأصلي بمعالجة الأسباب وليس بمحاربة النتائج، فالإدانة وحدها لا تكفي، والاكتفاء بتسيير المظاهرات ودبج المقالات للهتاف بسقوط الإرهاب بغير تشخيص للمرض يضع العلاج ليزيل العرض يبدو كمن يكتب مقالا غاضبا يكيل فيه كل مفردات الشتائم والسباب ضد مرض الأنفلونزا، أو كمن ينظم مظاهر شعبية ضخمة تهتف بسقوط ميكروب الكوليرا!
بعض أصحاب الرؤى العوراء يرى «الإرهاب الإجرامي» فقط مشكلة فكرية ناتجة عن دعوة الإسلام لجهاد المعتدين ويغمضون العيون عن بقية الأسباب، ويغلقون عينا عن الفعل بينما يفتحون الأخرى على رد الفعل، ويستنتج بعض الخبثاء في محاولة لربط الإرهاب بالإسلام، إن الحل هو في تغييب الدين عن شؤون الحكم والحياة، في حين يرى العلماء الأسوياء أن المشكلة إنما هي نتيجة للجهل بالإسلام، سواء من جانب المتطرفين أو من جانب المغرضين، لأن الدين هو الذي يحرم العدوان على المسالمين، ليكون الحل في استدعاء صحيح الدين لقيادة الحياة وليس العكس.
كما يرون أن علاج حالة الجهل بصحيح الدين سواء من المتطرفين الدينيين أو من المتطرفين اللادينيين ممكنة فقط بتمكين العلماء والعقلاء لا المغرضين أو الجهلاء من خلال وسائل الإعلام ومناهج التعليم للتوعية والتثقيف والحوار بينما لا تصلح معها إلا الوسائل السياسية قبل الوسائل الأمنية القمعية التقليدية بإرهاب مضاد من جانب السلطات.
بينما يراها آخرون نابعة من شيوع الاستبداد والفساد وغياب الحريات الإنسانية والأسباب السياسية الناتجة عن غياب الديمقراطية، وتقييد حرية التعبير، وفرض الحظر السياسي على تيارات سياسية أو دينية أو عرقية وطائفية بهدف الإقصاء السياسي، بما يتطلب توسيع هامش الحرية، وضمان حقوق الإنسان، وتعميق الممارسة الديمقراطية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرارات الوطنية لفتح الطريق أمام الحلول السلمية للمشكلة.
وأعتقد أن الاتجاه الصحيح لحرب مجدية للقضاء على الإرهاب، هو في «إعلان الحرب على الظلم» بكل أشكاله باعتبار أن غياب العدالة والتعامل بمعايير مزدوجة في غير مساواة هو العدو الحقيقي لكل أمراض ومعاناة شعوب العالم الوطنية والقومية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو المنتج الحقيقي لكل ألوان العنف والعدوان والجرائم والإرهاب.. ليكون المطلوب في النهاية هو الاتحاد لشن الحرب العالمية الإنسانية المشروعة عليه فورا .
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com