أينما وجهت بصرك، وقلبت ناظريك، على امتداد الساحتين العربية والإسلامية رأيت مواجهات دامية، وراءها جماعات أصولية منظمة تنازع حكوماتها وتشهر في وجهها السلاح ـ وهو بالمناسبة ليس السلاح التقليدي القديم، السيف، وإنما سلاح التنظيمات الإرهابية الحالية هو الصواريخ والمدفعيات الثقيلة ـ وشاهدت ضحايا يتساقطون كل يوم، أبرياء، نساءً وأطفالاً غير رجال الأمن الذين يؤدون واجبهم الوطني والديني في حماية مجتمعاتهم إضافة إلى شباب في عمر الزهور اختطفهم الإرهاب الأسود وملأ قلوبهم حقداً وكراهية على مجتمعاتهم وحكوماتهم.
الجماعة السلفية الجزائرية التي تقاتل الدولة منذ (16) عاماً وتُغير على المواطنين الآمنين وتستبيح دماءهم قد خلفت (12) ألف ضحية مدنية، لا العفو أفاد معم ولا سياسة المصالحة نفعت في كبح غلوائهم، لا يزالون يشكلون جيباً نازفاً في خاصرة الدولة والجماعات الإرهابية التي تقاتل الحكومة في العراق فتصب حقدها الأسود على تجمعات المدنيين الأبرياء في كل مكان، مطعماً أو مستشفى أو محطة ركاب أو دار عبادة، لا تزال تشكل جرحاً دامياً في القلب العراقي.
أما في اليمن فالحوثيون الذين ينازعون الدولة، قد قتلوا وأفسدوا كثيراً ووصل الحال بالرئيس اليمني أن يقول مخاطباً الحوثي (تريد يا حوثي أن تعود إماماً على اليمن بعد (46) سنة، هذا مستحيل، ونهر الدماء الذي قدمت، والشهداء الذين سقطوا من أجل ماذا؟) يقول الرئيس اليمني هذا الكلام بمناسبة العيد الوطني الـ (17) وبعد أن استنفد كل الوسائل السلمية معهم قائلاً (هذه الرسالة للمرة الثالثة عسى أن يستجيبوا لقرار مجلس الدفاع ولنداء علماء الدين) هؤلاء يشكلون جيباً ملتهباً في الجسد اليمني. أما في الصومال فميليشيات المحاكم ورغم هزيمتها وفرارها السريع ـ مازالت تنازع الدولة سلطتها وتتمرد على الشرعية.
وفي (إسلام آباد) لا يزال مولانا عبدالعزيز ـ إمام الجامع الأحمر والمناصر لطالبان ـ يهدد ويتوعد الحكومة بالعمليات الانتحارية، وطلابه يكدسون الأسلحة في الجامع ويحضرون الملاجئ استعداداً للمواجهة المرتقبة مع رجال الأمن الذين يريدون مداهمة الجامع لاستخلاص زميلين أخذا رهينتين.
أما طالبان والمناصرون لها فعملياتهم الوحشية أكثر من أن تحصى وأخيراً قتل قائدهم الدموي (داد الله) ورثاه الظواهري بقوله (ذهب شهيداً بعد أن جهز مئات الانتحاريين) بئست الشهادة وخاب العمل. فهو صاحب مجازر ـ باميان ـ ضد شيعة الهزارة والمحكوم عليه غيابياً لاغتياله أحد الزعماء السياسيين كما يقول عبدالله المدني: هؤلاء ينازعون حكوماتهم ويشكلون خراجاً دامياً في الجسد الإسلامي عامة.
أما في «غزة» فحرب «الإخوة الأعداء» وبقية الميليشيات المسلّحة تبدو لا نهاية لها، وكلما عقدوا اتفاقاً ولو في ظل الكعبة المشرّفة، نقضوه، ووصل الأمر إلى أن يقول بعض الكتّاب «مادامت المواجهات بين الحركتين غدت بمثابة ضرس معطوب في فكّ ملتهب، وكل تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة واللاحقة لم تصمد أمام شهوة السلطة، فلابد من الطلاق لتنفرد حماس بدوقية ـ غزة ـ وتنكفئ «فتح» إلى الضفة الغربية، صحيح أنها فكرة جنونية، ولكن ما البديل في ظل عدم وجود قوة تستطيع التدخل للقضاء على المافيات والعصابات العائلية والشعائرية والميليشيات التي تكوّنت خارج الأطر الرسمية.
أما الأوضاع في لبنان فأكثر مأساوية، وكأن الحكومة الشرعية لا تكفيها منازعات حزب الله واعتصاماتها وشلّها لحركتي التجارة والسياحة، ولا تكفيها الخسائر الفلكية المترتبة على مغامرة حزب الله غير المحسوبة والتي بلغت 3 مليارات دولار خسائر مباشرة و5 ملايين ـ خسائر غير مباشرة ـ حتى يبتلي لبنان بتنظيم إرهابي تابع للقاعدة يسمى «فتح الإسلام» تبلغ به الجرأة أن يسطو على بنك البحر المتوسط في بلدة ـ أميون ـ ويسرق مئة ألف دولار لتغطية عملياته الإجرامية وينصب كميناً لبعض عناصر الجيش اللبناني ويشعل حرباً دامية يسقط فيها العشرات من الجيش والمدنيين.
المشكلة المؤرقة للحكومات العربية في مواجهة هذه التنظيمات المسلّحة، إن هذه التنظيمات عندها من الأسلحة ما لا يتواجد عند بعض الأجهزة الأمنية المواجهة، فقد ذهل اللبنانيون من إمكانات «فتح الإسلام» في هجماتها على الجيش، ولذلك طلبت الحكومة اللبنانية بصفة عاجلة من الدول العربية تزويدها بالأسلحة والمعدات لمواجهة «فتح الإسلام» .
والأخطر أن هذه التنظيمات تمارس إجرامها وتهرب لتحتمي بالمدنيين، وتتخذهم دروعاً ورهائن، فلا يستطيع رجال الأمن مواصلة هجومهم خوفاً من إصابة المدنيين، وهذا ما حصل بمخيم «نهر البارد» وعددهم 40 ألفاً، أصبحوا رهائن، والأغرب أن الجيش اللبناني لا يستطيع دخول المخيمات من دون موافقة الدول العربية طبقاً لاتفاق القاهرة 1969 الذي منحهم أمناً خاصاً بهم فتحولت المخيمات في النهاية إلى ملاذ آمن للفارين من وجه العدالة!
والسؤال الملّح: لماذا سمحت الحكومات لتلك التنظيمات بتملك السلاح الذي كلّفها في النهاية من منازعة ومنازلة السلطات الشرعية؟! والجواب ببساطة واختصار، بسبب «قضية فلسطين»، كل ذلك باسم الجهاد والمقاومة، من أجل تحرير القدس واسترجاع فلسطين، أكثر من نصف قرن وقضية فلسطين تجارة لن تبور بالنسبة للقوميين والأصوليين، وقد شهد جيلنا الذي نحن ممثلوه، جيل الفشل والخيبات، جيل الإنسان المهدور بتعبير أحد الكتّاب، بدايات تلك التجارة منذ خمسينات القرن الماضي، في مرحلة انقلابات العسكر على ملوكهم من أجل تحرير فلسطين.
وصفقت الجماهير، تلتها مرحلة الزعماء الدكتاتوريين وصفقت الجماهير وكان ممثلهم الأخير شهيد العروبة والإسلام الذي غزا الكويت لتحرير فلسطين!!، ونحن اليوم نعيش مرحلة التنظيمات الأصولية المسلّحة التي تنازع حكوماتها من أجل فلسطين، ما علاقة سرقة بنك بفلسطين؟! ما علاقة التسبب في دمار لبنان بفلسطين؟ ما علاقة قتل الأبرياء في العراق والسعودية بفلسطين؟! ما علاقة هذا الإجرام الذي تشهده الساحة بفلسطين؟!
لا حلّ إلا بنزع سلاح جميع الميليشيات، ولا استقرار لمجتمعاتنا إلا بدعم سلطة الدولة واعتبارها «المحتكر» الوحيد للسلاح. ولا مستقبل لأية دولة تسمح بالسلاح لأية فصيلة باسم المقاومة، حصيلة دروس نصف قرن تثبت بجلاء أن سلاح «المقاومة» و«الجهاد» انقلب ضد مجتمعه نازعاً على السلطة، وأصبح «أداة» لخدمة أجندة خارجية ضد المصلحة الوطنية.
كاتب قطري