الأسبوع الماضي أعلن مصرف الكويت المركزي قراره فك ارتباط الدينار بالدولار والعودة إلى نظام «سلة العملات» التي أبقى «خلطتها السرية» طي الكتمان منعا لغلواء المضاربات. وهكذا قررت أغلى وحدة نقدية في العالم (1 د.ك. = 459 ,3 $) التخلي عن الدولار كمثبت لسعر صرف عملتها الوطنية بعد أن جربته لأربع سنوات ونصف فقط.
عرفت الكويت طعم حرية وسيادة القرار النقدي الوطني على مدى 28 عاما قبل أن ترتبط بالدولار منذ 5 يناير 2003 تماشيا مع بقية دول «التعاون». ورغم أن مسؤولين نقديين في هذه الدول سارعوا إلى نفي حذوهم حذو الكويت، إلا أن محللين استطلعت «رويترز» آراءهم في مارس الماضي اعتبروا الإمارات أبرز المرشحين بعد الكويت لتخفيف اعتماد الدرهم على الدولار.
وقبل فترة قصيرة كان صندوق النقد الدولي قد أقر بأن انخفاض أسعار الصرف الحقيقية للعملات الخليجية بنسبة 5 ,12% خلال الفترة من 2003 إلى 2006 كانت بسبب سياسة ربطها بالدولار الأميركي، إلا أنه حذر الكويت من عواقب الإقدام على فك هذا الارتباط. لكن محافظ مصرف الكويت المركزي قال بأن هذا الإجراء اتخذ في إطار المصالح الوطنية.
فقد ارتفع معدل التضخم ليبلغ نحو 1 ,4% عام 2005 بعد أن كان يتراوح تاريخيا بين 1 - 1.8% فقط. كما أن «ستاندرد اند بورز» توقعت لقرار السلطات الكويتية أن يترك أثرا ايجابيا على التضخم. لكن الخبير الاقتصادي جاسم السعدون، ورئيس مجلس إدارة شركة الشال للاستشارات والاستثمار وصف هذا القرار (بالخاطئ) لعدم علاقة الربط بالتضخم، ولأن الاتفاق الخليجي أعطى للكويت هامش حركة بحدود (+،-) 5 ,3% مقابل الدولار. نكتفي بإيراد هذين الموقفين مشيرين إلى أن كثيرا من الآراء قد صبت خلال الأيام القليلة الماضية في جبهتي مع وضد.
وإذ لا يخفى على القارئ انحياز صاحب المقال إلى جانب فك الارتباط، إلا أن متابعة وضع الدولار في موطنه الأصلي ستقدم أرضا أكثر خصوبة لموقف أكثر علمية. في فبراير الماضي حذر ألن غرينسبان، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، من أن الاقتصاد الأميركي قاب قوسين من الكساد القابل للتحقق خلال العام الحالي بنسبة واحد إلى ثلاثة. هذا القول بعث القلق لدى مسؤولي المجلس الحاليين والمستثمرين العالميين. ورغم أن ثلاثة أشهر مضت دون أن تظهر علامات ركود محدق، إلا أن ذلك لا يفسد على غرينسبان رأيه.
في الربع الأخير من عام 2006 نما الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة قليلة شكلت 2, 2% بالمتوسط السنوي (أقل من منطقة اليورو أو اليابان)، أما في الربع الأول من العام الحالي 2007 فبنسبة 3, 1%) وهو أقل مؤشر خلال الأربع سنوات الأخيرة). الأدهى أن وزارة التجارة الأميركية قد تعيد النظر باتجاه خفض هذا التقدير إلى 1% فقط .
وفيما عدا الصناعات العسكرية تعاني بقية الاستثمارات الإنتاجية من علامات التباطؤ. فلأول مرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة تتراجع استثمارات الشركات في الربع الأول من هذا العام بعد أن بدأ في يناير تناقص مطلق في عدد الطلبات على السلع المعمرة. وفي ابريل الماضي تراجع مؤشر الأدلة الاقتصادية الريادية (الذي يرصد كل قطاعات الاقتصاد، بما فيها الإنتاجية) بمقدار 5, 0% بعد تراجع سابق بمقدار 6,0% في مارس 2007. وهذا هو شهر الانخفاض الثالث.
وإذا كان الإنتاج الصناعي عموما قد حقق زيادة بمقدار 7, 0% مقارنة بـ 3,0% المتوقعة، فإن ذلك حدث بفضل دوران عجلة الصناعة العسكرية. أما بناء المساكن الجديدة فيتراجع بمعدل 15% سنويا وتتراجع مبيعاتها 8% .ورغم أن سوق المال الأميركية تشهد تحسنا، فإن ذلك يعود إلى أن كثيرا من كبريات الشركات المدرجة في المؤشر هي شركات معولمة. وكما تظهر بيانات «ستاندرد أند بورز» فقد حققت الشركات 49% من أرباحها عام 2006 من الأسواق الخارجية (30% عام 2001).
وتبدي هذه الحالة الداخلية للاقتصاد الأميركي تأثيرا حتميا على الدولار الذي انحدر في نهاية ابريل إلى أدنى مستوياته خلال 17 سنة الأخيرة مقابل العملات الأوربية. عاملان أساسيان يلعبان دورهما هنا: عجز ميزان المدفوعات المستمر وتوقعات دينامية أسعار الفائدة. بالنسبة للأخيرة يرى غالبية المحللين أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيقدم على خفض جديد ربما في أغسطس المقبل.
وهذا هو الطريق الوحيد لحفز النمو برأي المجلس. أما «كون ذلك سيجعل الدولار عملة أقل جاذبية فذلك بالنسبة لبرنانكي ناتج ثانوي لا يهمه» - كما ترى ناريمان بيرافيش من Global Inisght. فبرأيه أن استمرار خفض الدولار سيصحح في النهاية اختلال ميزان التجارة الخارجية ويبقي أميركا كأكبر مصدر في العالم، كما سيعمل ذلك على تقليص الواردات بسبب ارتفاع أسعارها.
وعليه يقدر بعض الاقتصاديين أن الخفض المتعمد لسعر صرف الدولار سيستمر حتى نهاية عام 2008 على أقل تقدير. وسينخفض سعره إلى 5 ,1 مقابل اليورو و 2 ,2 مقابل الجنية الإسترليني. ويرى مهندسو هذا النهج أنه سيهيئ التربة لاستعادة دور الولايات المتحدة دورها كقاطرة رئيسية للاقتصاد العالمي ابتداء عامي 2010 - 2011.
ئ؟غير أن المسألة ليست فيما إذا كان الاقتصاد الأميركي ينمو أم لا، بل ما هي طبيعة هذا النمو. أوروبا واليابان والصين وأميركا اللاتينية وحتى أفريقيا - إلا منطقتنا - فهموا أن (الحكومة العالمية) هي أداة أميركا لفرض التراجع على بقية الاقتصاد العالمي، كي يكون هبوط الاقتصاد الأميركي اللين على حساب بقية العالم.
لكنه بينما البنية التحتية الأميركية مستنفذة إلى أبعد الحدود، وتتطلب استثمار أموال طائلة لإعادة تحديثها، فإن هذه الأموال تنفق على البرامج العسكرية والحروب حول العالم على أمل مردود (الانتصارات) القادمة. أما القسم الآخر فيستثمر في مجال اقتصاد المعلوماتية (الجديد)، الآخذ في التقادم هو الآخر قياسا بالتطورات العالمية. فالدول المتقدمة الأخرى بدأت تقلل اعتمادها على نظم Windows مبدية طلبا أكبر على Lunix و OpenOffice المفتوحة الرموز وذات الآفاق الأكثر رحابة.
إجمالا يرى خبراء الاقتصاد العالمي أن العالم يقف على مشارف نهاية «دورة كوندراتوف الطويلة» وبداية أخرى جديدة، وأن الحديث يجري عن ركود اقتصادي بحجم ثلاثينات القرن العشرين، وأن حالة سوق النفط العالمية ليست سوى إحدى المتلازمات، وعليه فإن مساعي «الحكومة العالمية» لـ «نزع» تصنيع العالم ستلحق أكبر الضرر بأميركا قبل غيرها. فلم يعد للولايات المتحدة من الأموال والكوادر والتنظيم ما يكفي للدخول في بداية «دورة كوندراتوف الطويلة» الجديدة. فهذه الموارد تم تبديدها.
ودورات كوندراتوف الطويلة - نظرية نمو الاقتصاد الرأسمالي. صاغها لأول مرة في ثلاثينات القرن الماضي الاقتصادي الروسي البارز ن.د. كوندراتوف. جوهرها : أنه إلى جانب الدورات الاعتيادية (10 -11 سنة) توجد الدورات الطولى التي تمتد 50 - 60 سنة والتي تتميز بتبادلية ارتفاع وانخفاض الأداء الاقتصادي (الجوع والتشبع الرأسمالي).
وبناء على ما تقدم يبدو أن نهاية عام 2008 لن تضع على الأرجح نهاية سياسة خفض سعر صرف الدولار كما جاء أعلاه. بل ان برنانكي الذي رسم ويطبق هذا النهج معلنا استعداده للمضي فيه حتى النهاية لن يكون أمامه سوى هذا الخيار الذي سيصبح هو أسيرا له. وواضح أن حال السياسة الأميركية تجاه النظام النقدي العالمي من حال مجمل نزعة التطرف والمغامرة في المجالات العسكرية والسياسية للإدارة الأميركية الحالية. فهل نتعظ؟
كاتب بحريني