يشكو سكان بعض مناطق الدولة من التلوث البيئي الناتج عن التطور العمراني والصناعي الذي لم يكد يترك بقعة في هذه الأرض إلا وقد خلف آثاره فيها، ليس على البيئة الطبيعية فحسب بل على صحة الإنسان وسلامته، حتى أصبح سكان تلك المناطق في وضع صحي ونفسي هو الأسوأ عندما يقارن بأوضاع من سكنوا المنطقة قبل أن يمتد إليها التطوير العمراني والصناعي الذي جعلهم يعيشون في أحياء تتخللها المصانع والكسارات ويعلوها ضجيج الرافعات، وعلى طرقات أصبحت أشبه ما تكون بطرق الموت بسبب الشاحنات التي تعبرها.
الزائر لبعض مناطق الدولة التي أصبحت ورش عمل ليل نهار يرى العجب ويسيطر عليه الاستغراب، فبعض القرى أضحت مستقرا للشاحنات التي باتت تسيطر وتتحكم في الطرقات، وتحصد في ذهابها وإيابها أرواح شباب الوطن وهم في مقتبل العمر. الصمت المحقون بالغضب أصبح سمة الأفراد في تلك المناطق بعد ان أصبحوا في حالة يأس من الأوضاع التي يخضعون لها رغما عنهم، وبعد ان وجدوا الوعود حول تحسين الأوضاع مجرد كلام لم يروا له أثرا على الواقع.
الأمراض الخطيرة كالربو وحساسية الصدر والصداع المزمن أمور اعتادوا عليها كبارا وصغارا. أسقف المنازل أصبحت آيلة للسقوط بسبب التشققات والتصدعات التي هوى بعضها على رؤوسهم. كل ذلك تحت مسمى التطور العمراني والصناعي، وبسبب الرغبة في حصد الأموال وان كان ذلك على حساب صحة الإنسان وسلامته.
إن ما يجري في بعض مناطق الدولة من مظاهر تلوث بيئي لهو مؤسف ولا ينبغي الصمت عليه، بل ينبغي التذكير بين وقت وآخر بأن هذا الإنسان الذي يسكن تلك المناطق لم يعد أمامه خيار آخر، ولم يعد بإمكانه أن يجد حفنة أرض يستبدل بها موقعه ذلك الذي لم يعد صالحاً له ولأسرته التي تترقب الموت بين أغبرة متطايرة، وسموم تبثها المصانع والكسارات والرافعات التي شوهت المناطق الطبيعية ونفثت شرورا يستنشقها أبناؤنا وإخوتنا الذين يشعرون بحرقة وحزن على حال آلوا إليها دون أن يستطيعوا شيئاً.
المغفور له ،بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان يقول: «إن الإنسان هو ركيزة الوطن وهو ثروتها». كلمات موجزة لكنها اختصرت الكثير الذي ينبغي أن نفطن إليه ونستوعبه قبل أن نفقد عناصرنا البشرية التي تفتقر الى صحة، شواطئ وجبال ورمال بعيدة عن هذا النمو العمراني الذي شوه جمالها.
لسنا ضد التطوير لكننا نقول إن تنامي الطموحات التنموية لدولة الإمارات يفرز تلقائياً تحدّيات بعضها يتعلق بإدارة الموارد الاقتصادية وحسن توظيفها، في حين يتعلق بعضها الآخر بتحديات موازية منها التلوث البيئي. وهذا بدوره يتطلب تضمين خطط وبرامج التنمية المستدامة واستراتيجيات لاتقاء أضرار هذا التنامي العمراني والصناعي والتخفيف من آثارهما، من خلال خطوات استباقية، تعمل على جعل الأفراد والأسر في منأى عن المخاطر الصحية مهما كلفنا الثمن الذي قد ندفعه نظير تغيير خرائط مناطق سكنية وصناعية اقتصادية، لأن قيمة إنقاذ الأرواح لا يمكن تقديرها بثمن. قد يقول بعضهم ان الوقت فات لكننا نقول ان الوقت يتيح لنا التعويض وتصحيح الخطأ متى ما وجدت الرغبة أولاً والإرادة ثانياً، ومتى ما جعلنا قيمة الإنسان تفوق قيمة اي مكاسب.
التخطيط الجيد والمتقن من جانب الأجهزة المعنية يعد مدخلاً مهماً للنجاح في التعامل مع هذه الأزمات البيئية والصحية التي يعاني منها سكاننا، لاسيما وأن الأزمات البيئية وما يتعلق بها لم تعد مجرد شعارات، بل صارت علوما تدرس ومقاييس يحدد بها أداء الدول لأنها جزء من التنمية البشرية ولأن التفريط بها يمس امن البيئات وسلامة الإنسان. فإذا كنا نبحث عن التميز في كل شيء فلنجعل التميز البيئي أولوية.
