ربما لا يحب البعض هذا الإصرار الذي نمارسه في تبني بعض القضايا كالتركيبة السكانية، الوضع التعليمي، البطالة، التوطين، الشفافية الإدارية، لكننا برغم استياء هذا البعض مصرون على إصرارنا، لأننا نعلم بأن الكل ينظر من خلال مواقفه من هذه القضايا إلى مصلحته الشخصية الضيقة، بينما ننظر إلى مصلحة هذا الوطن ومستقبله، أما استياء فلان وغضب علاَّن فلا يدخل في حسابات الكتابة ـ ويجب ألا يدخل ـ وبحيث يكون آخر الأهداف أو لا يكون هدفاً من الأساس!
حدثتني صديقة أثق بها تماماً عن ابنة شقيقتها التي تخرجت بتقدير امتياز في حقل الصيدلة بعد أن دخلت الجامعة الخاصة بمنحة مجانية، نظراً لتفوقها في نتائج الثانوية العامة، لقد بحثت هذه الفتاة عن فرصة عمل في كل مكان، أقصد في الدوائر الطبية ذات الصلة بتخصصها في دبي والشارقة وغيرها من دون نتيجة، وكانت ترى أعداداً من السيدات العربيات يوظفن ببساطة، بينما تحصل هي على الإجابة الأزلية: لا يوجد شاغر! فكيف يتم تعيين غير المواطنين إذن؟
هناك خلل إذن، خلل في أنظمة التوظيف، خلل في الأمزجة وتنفيذ توجهات الدولة، خلل في ذهنيات القائمين على أمر التعيين، وإلا فلماذا يوجد شباب وشابات من أبناء البلد خارج نطاق العمل وهم الأولى والأجدر والأكثر احتياجاً؟ ماذا ينتظر من هذه الفتاة بعد أن أكملت سنتين بحثاً عن وظيفة في صيدلية؟
لقد ذهبت تلقي بأوراق طلب وظيفة في كل مكان، بما فيها البنوك، هل هذا معقول، دكتورة صيدلية تجلس وراء كاونتر في بنك لأن الشواغر تمنح للأجانب والوافدين، لن ألعن الظلام لكنني سأقول لعن الله الجهل والمصالح! لم تنته قصة المواطنة (...)، لكنني استعنت بها للإشارة فقط لهؤلاء الذين يتهموننا بأننا نبالغ حين نتحدث عن البطالة أو حين نتحدث عن التوطين، لا نبالغ أبداً، ولا نطلب المستحيل.
ومن المعيب فعلاً أن نستجدي وظائف لأبنائنا في وطننا، من المخجل أن نصل إلى درجة المطالبة بنسبة مئوية في وظائف مؤسساتنا ودوائرنا ومصارفنا، فهذا لا يحدث في أي مكان في الدنيا، وإذا حدث قامت الدنيا ولم تقعد، أما نحن فقاعدون على أرصفة الأحلام نعلك الأمنيات بأن تتحقق لنا معجزة 4% مواطنين في البنوك و2% في شركات التأمين و10% مواطنين في الوطن!!
يا جماعة، يا أهل الرأي والحل والفعل، أحصوا عدد الخريجين المواطنين الذين لا يعملون، احصوا تخصصاتهم ومستوياتهم ومهاراتهم، فهم بلا شك يمتلكون مستوى جيداً من المهارات، ليس شرطاً أن يعرفوا أسماء الوزراء في الدولة فهذه ليست مهارة أبداً، وليس شرطاً أن يلموا بالدستور فهم لن يتعاملوا به في الصيدلية أو الإذاعة أو المدرسة،
احصوا وحددوا هذه الطاقات المبعثرة في كل مكان في الدولة وانظروا إلى من يحتل أماكنهم في كل المؤسسات واسألوا أنفسكم: لماذا لا يتم إحلال أبناء الوطن بدل هؤلاء الأجانب وفق خطة مدروسة ومقننة ومنفذة بدقة وحرص ومتابعة؟ مَن الأولى بخير الوطن؟ نحن في الإمارات مسؤولون عمن في المركز الأول: عن أبنائنا أم عن أبناء الدول الصديقة والشقيقة و...؟
وصدقوني الحديث لن ينتهي في هذا الموضوع
