كان على اللبنانيين أن يتعاملوا مع ظاهرة "فتح الإسلام"على أنها ظاهرة غريبة على مجتمعهم،بعيدة بفكرها وممارساتها، لا يربطها أي رابط بأية فئة من فئات اللبنانيين،لا بثقافتهم ولا بتراثهم، لا أن ينقسموا حولها بين من يسعى إلى اجتثاثها، ومن يضع خطوطا وهمية مرة صفراء ومرة حمراء حيال التعرض لها، فاسحا في المجال أمام الدبلوماسية لكي تأخذ مجراها للخروج من المأزق الكبير الذي وجد لبنان نفسه غارقا فيه.

مر على لبنان الكثير من الأزمات، واستطاع هذا البلد الصغير والمتنوع طائفيا ومذهبيا، الخروج منها ليس بمساعدة الآخرين من الأشقاء والأصدقاء، وإنما بوحدة أبنائه وتكاتفهم ضد الظواهر الغريبة عليه وعلى المنطقة.

ففي معركة الاستقلال عام 1943 استطاع القادة اللبنانيون عبر التوفيق بين العروبة التي نادى بها المسلمون، والغرب الذي نادى به المسيحيون، الوصول إلى حل وسط،أعطى لبنان وجهه العربي من دون أن يتقاطع مع الغرب، وكانت هذه الصيغة، الميزة التي تمتع بها لبنان فترة طويلة، واستطاع أن يكون من خلالها صلة الوصل بين الغرب المسيحي والشرق المسلم.

لكن هذه الصيغة كانت من الهشاشة بمكان حيث سقطت مع نتائج العدوان الإسرائيلي عام 1967، وتهجير المزيد من الفلسطينيين من الضفة الغربية باتجاه الأردن،وانتقال بعضهم إلى لبنان بعد نشوء منظمة التحرير والوهج الذي اتخذته في العالم العربي وخاصة لدى الشباب، حيث تحول لبنان إلى منطلق للعمليات الفدائية ضد إسرائيل، وبالتالي أصبح هدفا للاعتداءات الإسرائيلية التي سقطت معها مقولة حياد لبنان، وبالتالي أصبح جزءا من المعادلة العربية في الصراع مع إسرائيل.

لقد أخطأ اللبنانيون عندما وافقوا على استباحة أرضهم تحت شعار العروبة والتحرير من دون أن يعدوا العدة من جميع النواحي لمواجهة كل الاحتمالات، وزاد من ضعضعة موقفهم الخلل الداخلي الذي أحدثه العامل الفلسطيني الذي تحول من ضاغط على إسرائيل ،كما كان مفترضا، إلى ضاغط في الشأن اللبناني ،مما فجر الحرب الأهلية التي ما تزال تداعياتها حتى اليوم.

كأن التاريخ في لبنان يعيد نفسه مرة أخرى، فتح الإسلام تمثل لبعض اللبنانيين ،العاصفة والصاعقة والجبهة الشعبية في بداية السبعينات، ولأن الشعب اللبناني لم يتعلم من تجاربه الماضية، فهو مقبل على ما هو أخطر من الحرب الأهلية التي مر بها سابقا.