يبدو أن الإيرانيين استمرؤوا لعبة الكر والفر مع الأميركيين بعد أن أتقنوا «اللعب بالكبار» أو مع الكبار في النادي الدولي في أكثر من ساحة وعلى أكثر من قضية حتى ذهب البعض إلى إطلاق صفة المايسترو على الدور الذي يلعبونه في المنطقة.

صحيح أن الأميركيين لا يريدون الإذعان لهذه الحقيقة ويفضلون الهروب إلى الأمام من خلال إطلاق صفة «البنك المركزي للإرهاب» على الدور الإيراني في توصيف مثقل بالايديولوجيا وازدواجية المعايير وحروب الكلمات لدور إيران الحقيقي في إدارة منظومة إقليمية تمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط استطاعت في الواقع أن تجعل المنظومة الأميركية الإسرائيلية المعروفة بـ «الشرق الأوسط الجديد» متعثرة في أكثر من ساحة لم تجعلها خاسرة تماماً.

لكن أي متتبع مطلع أو مراقب حيادي يستطيع اليوم أن يؤكد وبسهولة أن الأميركيين باتوا على منعطف طريق خطرة في مشروعهم الإمبراطوري الطموح الذي بدأوه مع تسلق المحافظين الجدد لسدة الحكم في واشنطن إذ لم يبق أمامهم إما تجرع علقم مخاطرة حرب جديدة عنوانها إسقاط منظومة المقاومة والممانعة التي يقول مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي ان بلاده تقودها على مستوى شعوب العالم ضد واشنطن» .

أو القبول بلعبة الكر والفر مع الداهية الإيراني الذي نشأ أصلاً وتشرب منذ القدم على ممارسة هذه اللعبة بامتياز وهو ما يعني في هذه المرحلة الجلوس إلى طاولة مفاوضات ثلاثية تضمها إلى جانب طهران ما تسمى بدولة العراق الجديد التي عملت واشنطن لمدة أربع سنوات عجاف على تقديمها بمثابة «الدولة المثال» في المنظومة المبتغاة فإذا بها مهلهلة من الداخل و«مخردقة» من الخارج! وإيران اللاعب الأول فيها كما يزعم كل حلفاء واشنطن وخصومها أيضاً.

في 28 الجاري سيجتمع الخصمان اللدودان ومعهما الدولة المضيفة «المثال» إلى طاولة «المحادثات» كما يصر مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية على تسميتها وليس المفاوضات كما يريدها الأميركيون والفرق كما يقرأه ويراه السيد علي خامنئي.

وكما ورد في توجيهاته إلى الدبلوماسيين الذين سيقودون المحادثات من الجانب الإيراني هو أن المفاوضات ستعني فيما تعنيه شرعنة الاحتلال الأميركي للعراق ومساعدته على ما بات يعرف بـ «الخروج المشرف»من ورطة العراق في الوقت الذي تعتقد فيه القيادة الإيرانية أن المطلوب أولاً وأخيراً هو تأمين الأمن والاستقرار للعراقيين، و«أن هذا الأمر هو شأن عراقي بامتياز، ولا دخل للأميركيين فيه».

كما صرح مرشد الثورة الإيرانية، هذا فيما تأمل القيادة الأميركية من وراء هذه المفاوضات إلى «وضع الإيرانيين أمام التزاماتهم تجاه المجتمع الدولي ووضع حد لتدخلاتهم في أمن العراق ومستقبله» وبالتالي ما يعني عملياً تحويل المفاوضات إلى محاكمة دعائية للإيرانيين وتحميلهم مسؤولية تدهور الوضع الأمني في العراق الجديد!

إذن هناك ثمة معركة متوقعة في بغداد بين خصمين لدودين أحدهما يمسك بتلابيب الآخر، صحيح أن مسرحها الظاهري عاصمة الرشيد التي تبدو أقرب ما تكون هذه الأيام إلى الوصف التاريخي المعروف عنها بأنها «سرة العالم» لكنها ليست معركة «السيطرة على بغداد»، كما يرغب الأميركيون فحسب، ولا التباين حول مفهوم الأمن العراقي، كما يشدد الإيرانيون.

بل هي أبعد من ذلك بكثير، إنها معركة أي «شرق أوسط» يراد له أن يبنى على ركام عالم ينهار، حاولت الإمبراطورية الأميركية جاهدة أن تبشر به قبل أربع سنوات من بوابة العراق ففشلت، فبما تلوح قوى المقاومة والممانعة الإقليمية بقيادة المايسترو الإيراني بظهور ما تسميه ب«الشرق الأوسط الإسلامي»!

في هذه الأثناء تحاول الإدارة الأميركية أن ترهب المفاوض الإيراني وتضعه في أجواء نفسية متوترة من خلال الدخول الاستعراضي الاستفزازي لأسطولها الحربي البحري قبالة السواحل الإيرانية بحجة ما تسميه «طمأنة دول المنطقة» هذا في الوقت الذي يأتي فيه تقرير البرادعي الجديد عن النووي الإيراني بالقول إنه: «يصعب التأكد من سلميته»! ليزيد التوتر درجة إضافية.

وبينما يؤكد المسؤول الإيراني في منظمة الطاقة الذرية محمد سعيدي بأنه «لا توجد أية عراقيل أمام عمليات التفتيش الشرعية والمبررة للوكالة الدولية للطاقة الذرية» فإن المتحدث باسم البيت الأبيض الأميركي غوردون جوندرو يصر على أن تقرير البرادعي «يدل على تصرفات إيرانية تشكل تحدياً مستمراً للأسرة الدولية»، يساعده في ذلك تقرير البرادعي الملتبس والغامض كعادته في محاولة منه استخدام لغة «ضربة على الحافر وضربة على المسمار».

كما فعل سابقاً أثناء سيناريو العراق، فإن السماء العربية والإسلامية ستظل ملبدة بالغيوم السوداء إلى حين! غير أن الأمر الأكيد والمتيقن هو أن إيران لن تتنازل عما تعتبره حقها الطبيعي والقانوني في استمرار عمليات تخصيب اليورانيوم، كما تنص عليه معاهدة حظر الانتشار النووي والموقعة من قبل إيران منذ ثلاثين عاماً.

فيما تصر واشنطن على تسييس القضية بشكل فاضح وباستخدام مكشوف لسياسة المعايير المزدوجة عندما تزعم وتدعي «أن هذا الحق مكفول فقط وفقط للدول الديمقراطية»، وبما أن إيران ليست منها «حسب المعايير الأميركية بالطبع»، وهي ليست البرازيل أو جنوب إفريقيا مثلاً حتى تسمح لها بمثل هذا الحق، كما ورد مبكراً في تصريح شهير لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول عندها نكتشف سر انسداد الأفق باتجاه أي حل تسووي للملف النووي الإيراني، ما لم تبحث الدول الأوروبية الوسيطة عن خط أحمر آخر غير وقف عمليات التخصيب.

كما يتحدث المسؤولون الإيرانيون مؤخراً، وهنا بالذات يكمن بيت القصيد في فشل كل محاولات الحلول الوسط التي حاولت ولا تزال الكثير من الأطراف تقديمها لأنها تصطدم بالفيتو الأميركي على الفور تماماً كما حصل مؤخراً مع اقتراح البرادعي الذي أعلن عنه للصحافة الأميركية والقاضي بالإبقاء على جزء من عمليات التخصيب الخاصة بالأبحاث.

إنها أزمة تحد من العيار الثقيل إذن ولا مجال فيها إلا أن يذعن أحد الطرفين للآخر، ولما كانت إيران ليست بصدد الإذعان لا من قريب ولا من بعيد وهو حال العديد من القوى الإقليمية الممانعة والصاعدة المتحالفة معها، فيما وصلت الحال بالأميركيين .

إلى أن يقول أحد كبار محلليهم من الذين كانوا متحمسين لغزو العراق إلى القول مؤخراً: «أصبح إنهاء الاحتلال ضروريا، وإلا سنخسر العراق وأميركا»، كما ورد في مقالة أخيرة للصحافي الأميركي توماس فريدمان، عندها فقط سنعرف من سيصرخ قبل الآخر في معركة عض الأصابع التي ستتفاقم غداة محادثات بغداد الأميركية الإيرانية.

كاتب إيراني