لم يكن سحب مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم ترشحه لرئاسة الجمهورية التركية، بعد أن فشل الحزب في ضمان حضور ثلثي أعضاء البرلمان التركي للمرة الثانية (كان الحزب محتاجا لخمسة عشر صوتا حتى يُؤّمن الفوز له)، نهاية معركة الحزب الاسلاموي التركي للمسك بكل مصادر القوة في السلطة السياسية التركية المكونة من البرلمان ورئاسة الدولة ورئاسة الحكومة.

وقد دعا الحزب على أثر ذلك إلى انتخابات مبكرة في يوليو القادم على أمل أن يحصل فيها على ثلثي مقاعد البرلمان التركي الأمر الذي يضمن له الوصول إلى سدة الرئاسة التركية. واستطاع أن يحول طريقة انتخاب الرئيس من البرلمان إلى الشارع، أي أن يكون انتخابه مباشرة من قبل الناس وليس من قبل ممثليهم في البرلمان.

وإذا ما قُدر للحزب الفوز بكرسي رئاسة الدولة، فإنه بذلك سيكون أول حزب إسلامي في العالم الإسلامي يصل إلى سدة رئاسة الدولة والحكومة التركية عن طريق صناديق الاقتراع. ومهما كان الأمر المستقبلي، أي سواء تمكن الحزب من الوصول إلى الرئاسة التركية أم فشل في تأمين ذلك فإن ردات الفعل التي جاءت من المؤسسة العسكرية التركية والشارع التركي أو على الأقل بعض أطرافه.

والمتمثل في التظاهرات الحاشدة والمعارضة لترشح عبد الله غول، تعبر عن قلق ولربما خوف من أن ينفرد الحزب الإسلامي بالتحكم في كل الدولة التركية من مؤسسة الرئاسة إلى مؤسسة الحكومة والبرلمان، الأمر الذي يعطيه كل القوة لأن يغير في طبيعة النظام التركي العلماني دون معارضة أو ضابط.

ورغم أن جماعة حزب العدالة والتنمية في تركيا قد لا يقارنون من أوجه عدة وبأي حال من الأحوال مع حال الإسلام السياسي العربي إلا أن الخوف من جنوحهم نحو شمولية سياسية ما زالت قائمة. فاندفاع الحزب الحاكم في تركيا نحو توظيف جماعاته والمحسوبين عليه في مؤسسات الدولة التي سيطر عليها، قد لا تفسر في ظل استمرارية ثقافة الشك تجاهه إلا في إطار محاولته السيطرة على الجهاز البيروقراطي الحاكم لأداء الدولة التركية من ناحية.

وبالتالي ضمان تسهيله وتمريره لإجراءات وقرارات الحزب الحاكم. وهو الأمر الذي بدا واضحا في محاولة وزير التربية التركي المحسوب على الحزب الحاكم في أن يسلم معظم المناصب القيادية في الوزارة لصالح الأفراد المحسوبين على حزبه الحاكم. كما أنه من ناحية أخرى فإن السماح للطالبات التركيات المحجبات بارتداء الحجاب في حرم الجامعات وهو الأمر الذي منعته الحكومات التركية السابقة على الحكومة الحالية.

بل إن سماح وزارة التربية والتعليم التركية بإقامة دورات تحفيظ القرآن الكريم داخل المدارس التركية لم يُر من قِبل المعارضين لهم، إلا بكونه محاولة لتوظيف المدرسة سياسيا. أي استخدام المدرسة كإحدى المؤسسات المناسبة لنشر قيم وأفكار التيار الاسلاموي الحاكم في تركيا.

وهو الأمر الذي لم يكن يسمح به في الفترة السابقة لوصول الحزب الحاكم الاسلاموي للسلطة. كما أن رفض رئيس الدولة التركي لأكثر من ألفين من مشاريع القوانين والقرارات المقدمة من الحكومة التركية الحالية، لتعارضها مع الطبيعة العلمانية للدولة يضفي مزيدا من الشك والريبة حول الأهداف غير المعلنة لمحاولات الحزب الحاكم، القبض بمؤسسة رئاسة الدولة رغم كون ذلك يمثل حقا دستوريا.

ورغم أن حزب العدالة والتنمية التركي يمثل بحق حالة متقدمة عن مثيلاته من الأحزاب الاسلاموية العربية والباكستانية والإيرانية. بل إنه قد تجاوز في ذلك أطروحات الأحزاب الإسلامية التقليدية في المنطقة العربية والتي ترفع شعار «الإسلام هو الحل» مثل حركة الإخوان المسلمين والسلف وحزب الدعوة وحزب الله.

حيث إن قدرة الحزب على تحقيق نمو اقتصادي مهم على النهج الرأسمالي يمثل أحد مفارقاته المهمة عن الأحزاب الاسلاموية التقليدية في المنطقة العربية. وعلى الصعيد الخارجي بدا الحزب كاسرا لكل تابوهات الحركات الاسلاموية التقليدية من حيث استمرار علاقات تركيا الوطيدة في عهده مع إسرائيل عسكريا واقتصاديا وسياسيا، ودخوله طرفا في محاولات تحقيق قدر من الاستقرار في علاقة الفلسطينيين بالإسرائيليين .

وأنه كان وسيطا موثوقا به من كلا الطرفين.. من الناحية الأخرى فقد استمرت تركيا في تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركي. وفوق هذا وذاك إعلان الحزب جهرا بإيمانه بعلمانية الدولة، بل إنه قد اعتبر نفسه في التصريحات الأخيرة لأردوغان من نواح عدة أنه يمثل حزبا علمانيا، من حيث ضعف توظيفاته للدين في السياسة. ومع ذلك فإن هذا الضعف لا يعني بالضرورة نفيا مطلقا لحضور الدين في بعض إجراءاته الداخلية وهو الأمر الذي بات محط ريبة وشك القوى المناوئة له.

ولا أرى في ردة فعل المؤسسة العسكرية والشارع التركي حيال ترشح عبدالله غول لرئاسة الدولة التركية إلا بكونها ردة فعل طبيعية وتعكس حالة وأزمة الثقة في حقيقة قدرة الحزب الإسلامي في القبول بالعلمانية كنظام للحكم أو في أن يكون الحزب قد أصبح حزبا علمانيا حقيقيا. فرغم استمرار طرح الحزب لنفسه بكونه حزبا علمانيا محافظا، قطع العلاقة مع الدين كأيدولوجيا أو يافطة سياسية كما تعمل كل الأحزاب الدينية في المنطقة العربية.

إلا أن تضمنه لأشخاص وجماعات عرفت في السابق بتوظيفاتها السياسية للدين بالإضافة لاندفاعة بعض أعضائه نحو تبني مسائل مثيرة للجدل في مجتمع في حالة من التحول نحو الديمقراطية مثل السماح بحجاب الطالبات الجامعيات وإدخال مسابقات تحفيظ القرآن ضمن المدارس الحكومية ومحاولاته إشمال المدارس الدينية تحت مظلة المعادلات العلمية في النظام التعليمي التركي وقضية ما سمي بمحاربة أوكار الفساد الأخلاقي في المدن التركية تعزز من حالة الخوف من أن هذا المجتمع متجه نحو حالة من حالات تديين الدولة «التقسيطي» وهو المدخل الذي تتبناه معظم حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

ورغم ان ترشح غول لرئاسة الجمهورية أو أي مرشح آخر يعتبر حقا دستوريا أصيلا إلا أنه قد أثار مزيدا من الشكوك والمخاوف خصوصا وأن الحزب الحاكم لم يبق في السلطة فترة طويلة لم تؤهله بعد لإزالة الشكوك المتعلقة بأصوله الاسلاموية.

بل ان الأطراف المعارضة قد وجدت في محاولة الحزب القفز لمؤسسة الرئاسة مدخلا للتحكم الكامل في الدولة التركية أو التحكم فيما بقي منها خارج نطاق سيطرته. وأخشى ألا تمثل التفجيرات الأخيرة في تركيا تراجعا للفرقاء الأتراك في أن الديمقراطية قادرة عن حل مشكلاتهم.

ومع ذلك يبقى الحجاب الممنوع من دخول قصر الرئاسة التركية حتى هذه الساعة منذ أن أقام مصطفى أتاتورك دولته القائمة على فصل الدين عن الدولة، مختصرا في جزئيته كل هذا اللغط والصراع السياسي الدائر الآن في المجتمع التركي. وسيبقى السؤال هل سيمثل هذا الحجاب في حالة دخوله قصر الرئاسة التركي حِجابا علمانيا فاصلا للدين عن الدولة أم أنه سيبقى يمثل في رمزيته هذا التشابك الذي لم نقدر على فكه بعد.

وفوق هذا وذاك، بل ورغم كل ذلك يبقى حزب العدالة والتنمية التركي يمثل حالة متقدمة عن كل الأحزاب الاسلاموية العربية بكل تصنيفاتها واصطفافاتها وضفافاتها، بل إن ما يفصل بينه وبينها، أي الأحزاب الاسلاموية العربية، برزخ زمني حقق له بفعل اندفاعته الأمامية وتراجعها في الحالة الاسلاموية العربية، وهو الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في مؤلفنا الجديد والموسوم بالحركات الدينية في الخليج العربي.

كاتب بحريني