أسبوع قاسٍ مرت به القوات الأميركية في العراق، دفع الرئيس الأميركي إلى معاودة دعوته مواطنيه إلى التحلي بالصبر متوقعاً صيفاً ساخناً ومزيداً من الدماء التي تغرق أرض الرافدين منذ أن وطأتها أقدام الأميركيين قبل ما يزيد على أربع سنوات.

في فبراير الماضي دشنت القوات الأميركية ما عرف بخطة فرض القانون في بغداد كمقدمة لاستراتيجية بوش الجديدة التي تتضمن زيادة عدد الجنود الأميركيين في العراق لإحكام السيطرة على العنف، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فكان الحديث بعد ثلاثة أشهر عن استراتيجية جديدة يضع قادة عسكريون ودبلوماسيون أميركيون اللمسات الأخيرة عليها لتكون جاهزة مع مطلع يونيو الجاري، من اجل تقليل حجم الخسائر المتوالية في صفوف الجيش الأميركي والمدنيين العراقيين.

غير أن كل هذه الجهود لا تزال غير مقنعة في نظر الأميركيين الذين أبدى غالبيتهم وفقاً لاستطلاع أخير أجرته شبكة «سي بي اس» وصحيفة «نيويورك تايمز» تشاؤماً حول نهاية الحرب في العراق، وقال نحو 76% من المستطلعين: الحرب التي بدأت في مارس 2003 تمضي بشكل سيئ واعتبرها 47% أنها تجري بطريقة سيئة جداً.

الاستطلاع تزامن مع موافقة الكونغرس الذي يسيطر عليه خصوم بوش الديمقراطيون على تمويل الحرب من دون المطالبة بوضع جدول زمني للانسحاب، وهو ما يعد نصراً ولو مؤقتاً للرئيس الأميركي الذي هدد باستخدام الفيتو.

لكن هل يعني ذلك أن الأمور ستمضي على نحو أفضل؟. كما قلنا فإن بوش نفسه يتوقع «معارك عنيفة في الأسابيع والأشهر المقبلة» وخاصة شهر أغسطس الذي سيكون صعباً جداً حسب قوله. وهو تمهيد لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في سبتمبر المقبل، موعد تقديم قائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بترايوس تقييمه لاستراتيجية زيادة القوات التي تتآكل فعاليتها يوماً وراء الآخر، وبالتالي فإن الحسم الذي يتحدث عنه بوش في هذا التوقيت ربما تكون بشائره أخذت في الظهور من الآن.

الرئيس الأميركي يعول على الحلول الأمنية بالتركيز على استراتيجية زيادة القوات التي خاض معركة مع الكونغرس لتمويلها، ولا تزال الإدارة الأميركية تعاند، ولا تتعامل بجدية مع المعطيات السياسية التي تقول إن التلاعب بدعم هذه الجهة على حساب أخرى إذا أفاد بعض الوقت فإنه لن ينفع طوال الوقت، ولا بد من خطوة حقيقية وجادة تضغط على الحلفاء لنبذ الطائفية وتصفية الحسابات، والعمل من اجل إعادة التوازن إلى مكونات الشعب العراقي.

صحيح تلمست إدارة بوش في الفترة الأخيرة وان كان على استحياء توصيات لجنة بيكر هاملتون، غير أن صلب تلك التوصيات لا يزال بعيداً عن التطبيق، وهو ما يعوق كثيراً إحراز تقدم ملموس في الملف العراقي المعقد.

ومن وقت لآخر تطفو على السطح دعوات أميركية لتفاوض مع المسلحين العراقيين باستثناء من أسمتهم واشنطن عناصر القاعدة، وكشفت تقارير عن انغماس الحلفاء البريطانيين في حوارات من هذا النوع، غير أن النتيجة لا تصب حتى الآن في وقف نهر الدماء المتدفق في المدن العراقية، والذي تغذيه دماء مئات الضحايا الجدد من المدنيين كل يوم.

الموقف في العراق يحتاج إلى شجاعة الاعتراف الأميركي بالإخفاق، والعمل على لملمة ما بعثره عناد وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد، واستمرار تشبث باقي مهندسي الحرب كنائب الرئيس ديك تشيني، بأن تحقيق النصر ممكن في العراق، رغم أن خيوط هذا النصر آخذة في الاهتراء.

النصر في العراق لن يتحقق من دون أن تضع الإدارة الأميركية خطة محددة لسحب جنودها من العراق وفق جدول زمني يعكس المعطيات على الأرض وبما يحفظ ماء الوجه، وهذا الأمر يحتاج إلى خطوات أكثر عملية تقنع الداخل العراقي والخارج الإقليمي والدولي بأن القوات الأميركية لم تأت لتبقى إلى أجل غير مسمى.