من العراق، إلى فلسطين، إلى لبنان.. تبدو الصورة وكأن العرب على وشك الخروج من التاريخ. لم أكن يوماً من المتشائمين بمستقبل هذه الأمة حتى في أصعب الظروف، لكن ما يجري على الساحة العربية أصبح يحتاج إلى قدرة فوق قدرات البشر لكي يجري استيعابه وفهمه والتعامل معه كما تتعامل كل الأمم التي تدرك ـ مهما صادفت من عقبات ـ أن لها مكاناً في هذا العالم.

نفهم أن يكون تدمير العراق هدفاً أميركياً لأنه يحقق مصلحة إسرائيل، ولأنه يفتح الباب على مصراعيه ـ كما روج من قادوا أميركا للكارثة ـ لكي تستولي الشركات الأميركية على احتياطي بترول قد يكون الأضخم في العالم، بالإضافة إلى هدف السيطرة الكاملة على ثروة الخليج البترولية واستخدامها في صراع المستقبل من اجل بناء الإمبراطورية الأميركية ومنع أي قوة منافسة .

خاصة أن كل القوى المرشحة لذلك من الصين إلى الهند إلى اليابان إلى أوروبا تحتاج لاستيراد البترول.. لكن غير المفهوم أن يؤيد البعض منا غزو العراق مهما كانت الأسباب وأن يتصور البعض ـ جهلاً أو غفلة ـ أن الغزو يمكن أن يحقق له أي فائدة !!

وفي فلسطين تتواصل حرب الإبادة التي يشنها العدو الصهيوني على الشعب الفلسطيني، ويتواصل أيضا الحصار على شعب صدق يوماً أن الديمقراطية ستكون طريقه للتحرير والاستقلال. ثم يأتي الحصاد المر لخمس عشرة سنة بعد أوسلو لينفجر الاقتتال بين «حماس» و«فتح» على سلطة وهمية.

ولا يعرف الشهداء بأي رصاص يسقطون! والآتي أسوأ في فلسطين وأيضا في لبنان الذي يعد جيداً لحرب تختزل حروب المنطقة وتتيح لإسرائيل أن تثأر من هزيمتها في العام الماضي، وللولايات المتحدة أن تغطي جريمتها في العراق، ولأعداء الأمة أن يغرقوها في الفوضى المدمرة التي تأكل مستقبل الأمة لعشرات السنين.

ومن دارفور إلى الصومال تتجسد مأساة إنسانية يتحالف فيها التآمر الخارجي والأطماع الاستعمارية مع التدمير الذاتي للحاضر والمستقبل. بينما تتراجع دعاوى الإصلاح في أرجاء العالم العربي بين من انتظروا «النموذج «الديمقراطي الذي ستقيمه أميركا في العراق فلم يجدوا إلا المأساة، وبين من يريدون أن يحكموا المستقبل بإعادة إنتاج القرون الوسطي.

وتختنق فرص النهضة في العالم العربي أمام حروب الطوائف ودعاوى التكفير وازدراء العقل ومحاصرة الإبداع وتحريم الاختلاف، واعتبار التغيير عدواً للاستقرار بدلاً من أن يكون الوسيلة المثلى لدعمه وتأمينه كما تفعل كل الشعوب المشاركة في بناء الحضارة، بل وكما فعلنا نحن في عصور الازدهار حين انفتحنا على العالم وأخذنا منه وأعطيناه بأكثر مما أخذنا، فأصبحنا الجسر الذي عبر عليه العالم أجمع من عصور الظلام والانحطاط إلى عصر النهضة والاستنارة.

وسط هذا المناخ القاتم لابد أن نتوقف عند أي نقطة ضوء على الطريق. ولا أظن أننا نبتعد كثيراً أو قليلاً عما كنا نتحدث فيه حين نقف عند المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد برصد عشرة مليارات دولار لإنشاء مؤسسة للتنمية البشرية والاستثمار في المعرفة ورعاية التعليم والبحث العلمي.

هذا حدث هام بكل المقاييس، وتزداد أهميته حين لا يكون مجاله في دولة الإمارات أو منطقة الخليج بل يمتد لانحاء الوطن العربي في وقت تتزايد فيه دعاوى الفرقة والتشرذم من أطراف خارجية وداخلية. وحين يكون موجهاً لدعم العقول والقدرات الشابة في وطن عربي يشكل الشباب النسبة الغالبة فيه.

وحين يكون موجهاً للعلم والعلماء في وطن عربي أعطاه الله الكثير ومع ذلك مازالت نسبة الأمية بين أبنائه تلامس نسبة ال40%. وحين يكون واعياً بخطر تدني مستوى التعليم وأيضا بخطر نزيف الأدمغة العربية وحرمان الوطن العربي من أفضل كوادره.

بالطبع لا أحد يتصور أن المبادرة الهامة سوف تتكفل وحدها بحل كل مشاكل العلم والتعليم والبحث العلمي في الوطن العربي، لكنها تمثل اختراقاً هاماً لمواجهة التراجع في هذا الشأن، وتوجه أنظار الجميع إلى ضرورة مضاعفة الجهد حتى نلحق بالعالم في ميدان المعرفة التي أصبحت هي الثروة الأكبر للشعوب والرافعة الأهم لأي نهضة شاملة مطلوبة.

إن ميزانيات التعليم والبحث العلمي ينبغي أن تتضاعف مرات عديدة في كل أنحاء العالم العربي، ومبادرة إنشاء هذه المؤسسة لابد أن تتكرر، فمن غير المعقول ونحن ننشد النهوض ألا تكون هناك جامعة عربية بين الخمسمئة الأوائل.

وأن تشكو كل مراكز البحث العلمي في الوطن العربي من قلة الإمكانيات، وأن تلجأ الدول العربية إلى استيراد التكنولوجيا وليس إلى توطين العلم، وأن نتحول في النهاية إلى شعوب تعيش عالة على حضارة لا تساهم في صنعها ولا تملك مفاتيح التقدم في إطارها.

هذه المبادرة سوف تزداد قيمتها لو أنها تفتح الباب لمبادرات مطلوبة في ميادين عديدة، وفيما يخص التعليم والبحث العلمي فإننا في حاجة إلى خريطة مفصلة باحتياجات العالم العربي وكيفية تدبيرها، ثم إلى جهد للتنسيق بين المبادرات المختلفة التي لابد أن تتكامل في هذا الطريق. وخذ على سبيل المثال ما طرح في الفترة الأخيرة حول برامج الاستخدام السلمي للطاقة النووية والتي تأخرت كثيراً.

ثم بدأت كل دولة عربية تتحدث عن اقتحامها لهذا الميدان بصورة منفردة والأمر بلا شك في حاجة لجهد عربي مشترك يوحد الجهود ليس من أجل استيراد محطات، وإنما الأهم أن تمتلك المعرفة والقاعدة العلمية، ونحن قادرون بلا شك على ذلك ليكون الأمر نقلة علمية نستفيد منها في كل ميادين البحث العلمي.

هذه أيضا فرصة لفتح ملفات مغلقة في ظل الأخطار المداهمة التي تحاصرنا من المحيط إلى الخليج. ولكننا لا نستطيع أن نبقيها مغلقة حتى ونحن نواجه الخطر وحروب الإبادة وتدمير الأوطان بفعل العدو أو بنزعة الانسحاب من العصر أو من الحياة. فالقضية واحدة، ونحن لن نستطيع أن نواجه المخاطر إلا بمجتمعات متماسكة تملك أسباب القوة وأولها العلم، ونحن أيضا لن نستطيع استكمال أي مشروع عربي للنهضة في ظل التجزئة والتخلف والاستبداد.

عقب هزيمة 67 بدأت مصر من الصفر عملية بناء جيش المليون مقاتل. وكان قرار عبد الناصر أن يكون الجيش الجديد هو جيش العقول القادرة على التعامل مع أحدث ما في الترسانات العسكرية، وقد كان.. وخاض الجيش أول حرب إلكترونية في التاريخ، واثبت الجندي العربي تفوقه، وجنت مصر والعرب حصيلة خمسة عشر عاماً سابقة من التعليم والبحث العلمي الجاد وبناء القاعدة الصناعية.

و للأسف فإنه في الوقت الذي توافرت للأمة العربية الموارد اللازمة لاستكمال المسيرة وبناء النهضة، نجحت المؤامرة في تفرقة الصفوف، والأخطر أنها نجحت في تسييد ثقافة لا تحترم العلم ولا تقدس العمل، والنتيجة بعد ثلاثين عاماً نسبة أمية تزيد على 40%، وبطالة تتراوح نسبتها بين 15 و20% هي الأعلى في العالم، وفي وطن عربي يملك كل أسباب التقدم يعيش ربع السكان تحت خط الفقر.

لقد قدمت منظمة العمل العربي الدراسات الأساسية للتعامل مع مشكلة البطالة في العالم العربي والتي يعاني منها أكثر من 20 مليون شاب في سن العمل يمثلون قنابل موقوتة وصيداً سهلاً لجماعات العنف والتطرف.

ومن ناحية أخرى وضع الدكتور احمد جويلي رئيس المجلس الاقتصادي العربي أمام القمة العربية رؤية كاملة للتعامل مع خطر آخر يتمثل في الفجوة الغذائية التي تمثل خطراً شديداً على الأمن العربي، والتي كانت في عام 2000 تبلغ 16 مليار دولار في السلع الأساسية فقط، وارتفعت الآن إلى حوالي 20 مليارا.

وفيما أذكر فإن التكلفة المقدرة لعلاج هذا الخلل كانت حوالي عشرة مليارات دولار سنويا لنصل إلى نقطة توازن خلال عشر أو خمس عشرة سنة. ومازالت الدراسة تنتظر قرار القمة، ولعل القمة الاقتصادية القادمة تحسم هذا الأمر، علماً بأن الأمور كلها مترابطة..

فالإنفاق على التعليم والبحث العلمي بطريقة صحيحة ستوفر الكوادر المطلوبة وتساهم في مواجهة باقي المشاكل بما فيها البطالة والأمن الغذائي والتصنيع. وتنفيذ برامج الأمن الغذائي سيوفر الملايين من فرص العمل ويخفف من مخاطر البطالة.. وهكذا.

ما نحتاجه الآن ـ وأكثر من أي وقت ـ أن نؤمن بأن معركة المستقبل لن نكسبها فرادى بل بإرادة عربية واحدة، ولن نسكبها إلا إذا امتلكنا كل أسباب القوة وفي مقدمتها العلم والصناعة، ولن نحسمها إلا إذا أدركنا أن البشر هم الأساس وأن الاستثمار فيهم هو أفضل ما يمكن أن نقدمه لبناء المستقبل.

وعندما نملك كل هذا الرصيد من الأمية والبطالة والتخلف الصناعي والفجوة الغذائية، بينما تقبع قرابة ثمانمئة مليار دولار من الأموال العربية في بنوك أوروبا وأميركا وفقاً لتقديرات متواضعة، فنحن أمام مشكلة خطيرة لابد من التعامل الجاد معها، وأظن أننا الآن نضع أقدامنا على بداية الطريق لتصحيح هذه الأوضاع.

نقيب الصحافيين المصريين