لقد انتهت مرحلة الكسوف الجيو سياسي لروسيا وصار على الغرب ان يأخذ ذلك بعين الاعتبار. تعبير أو تحذير صدر عن رئيس بلدية موسكو وهو من القياديين في المؤسسة السياسية الروسية. تعبير يعكس حالة التوتر التي أخذت بالاستقرار في العلاقات الروسية الغربية في هذه المرحلة.
عدة عناصر ساهمت وعبرت عن «عودة الروح» إلى موسكو على الصعيد الدولي: وضع اقتصادي مريح بسبب أسعار الطاقة ودبلوماسية طاقة ناجحة وفعالة وبقدر ما هي مقلقة لعدد من الشركاء أو الأطراف المعنيين بها، استنهاض الروح القومية الروسية عبر خطاب مليء بالرموز الوطنية .
فيما يتعلق بموقع روسيا ودور روسيا على كافة الأصعدة، ساهم وعكس في الوقت ذاته بالخروج من ماض كان يتسم بالتضعضع والانهيار والتراجع وفقدان البوصلة والمهانة وهو الماضي القريب الذي نشأ غداة انهيار الاتحاد السوفييتي بعد انهيار إمبراطوريته.
كثيرون يعتبرون ان البوتينية هي نقيض لليلتسينية: انها بمثابة الخروج من مرحلة الضياع والتبعية والبحث عن الهوية والموقع والمكانة. من مظاهر تعزيز الهوية الوطنية واستنهاضها ما حصل في منتصف هذا الشهر عندما تمت المصالحة التاريخية بين بطريرك موسكو والكنيسة الروسية في الخارج بعد ثمانين عاما من الافتراق الناتج عن الثورة البولشفية والحرب الأهلية في العشرينات وتم ذلك بالطبع برعاية الرئيس بوتين.
البحث عن المكانة من جديد عبر عنه الرئيس الروسي في «خطاب ميونيخ» في فبراير الماضي. الخطاب الذي اعتبره الكثيرون بمثابة جرس انذار للغرب ودعوة للتعامل مع روسيا بشكل مختلف عن طبيعة العلاقات التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.
حالة التوتر الغربية الروسية دلت عليها بشكل كبير فشل القمة الأوروبية الروسية التي انعقدت في 17 و18 مايو بين المستشارة الألمانية بصفتها رئيسة الاتحاد الأوروبي ومعها رئيس المفوضية الأوروبية والرئيس الروسي. فشلت القمة في إطلاق المفاوضات حول اتفاق جديد للشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبروكسل بعد انتهاء العمل بالاتفاق الأول الذي انشأ عام 1997.
المناخ السياسي المتوتر وتبادل الاتهامات الغربية الروسية من جهة ووجود عدد من القضايا الخلافية الرئيسية من جهة أخرى كانت وراء عدم النجاح في التوصل إلى اتفاق جديد. جملة من القضايا العالقة تشكل مصدر قلق وخلاف وتحمل مؤشرات لوجود رؤى وأجندات مختلفة عند الطرفين: أولاً موضوع الدرع الصاروخية التي تعمل واشنطن على إنشائه في بولندا وجمهورية تشيكيا
والتي تعتبر واشنطن عبر الحلف الأطلسي بأن هذا الدرع تهدف إلى حماية الحلف من مخاطر مصدرها كوريا الشمالية وإيران واذ كان رد موسكو تجميد العمل بمعاهدة تقليص السلاح التقليدي في أوروبا والتهديد بالانسحاب من المعاهدة فإن هذه المسألة التي تلاقي أيضا بعض المعارضة في الولايات المتحدة.
وعدم حماس عند بعض الأوروبيين تحمل عددا من المؤشرات منها ان واشنطن تحاول احتواء موسكو عبر حدودها الأوروبية من خلال إيصال الحلف الأطلسي إلى تلك الحدود في حين ان التفاهم الذي حكم العلاقات بين الطرفين منذ نهاية الحرب الباردة كان يقوم على عدم معارضة موسكو دخول الدول الأوروبية التي كانت في منطقة نفوذها في الماضي ضمن الاتحاد الأوروبي .
ولكن مع التمسك بالمعارضة الشديدة لأن تكون ناشطة رسميا وعمليا في إطار الحلف الأطلسي. وهذا مؤشر أيضا على ان أوروبا تقف متفرجة وغير قادرة على التأثير في القرار الأميركي في قضية ذات تداعيات استراتيجية أساسية على الأرض الأوروبية وفي علاقات أوروبا مع موسكو. انها سياسة فرض الأمر الواقع ودفع أوروبا إلى الالتزام بالموقف الأميركي .
من المؤشرات المهمة أيضا ان هذا الوضع قد يؤدي إلى خلق خط توتر جديد في أوروبا كما كان الوضع في الماضي حول جدار برلين خلال الحرب الباردة. ثاني هذه المسائل الأوروبية أيضا مصدر التوتر تتعلق باستقلال كوسوفو ومعارضة موسكو الشديدة لذلك في مجلس الأمن واعتبارها لهذا الأمر انه يشكل أيضا تمددا أطلسيا محاصرا لها عبر البوابة الأوروبية.
ثالث مسائل التوتر تتعلق بالطاقة وبالقلق الأوروبي من تحول موسكو إلى قوة عظمى في هذا المجال تمسك بأوراق أساسية في دبلوماسية بناء النفوذ عبر النفط والغاز أمام أوروبا التي تعتمد على ثلث وارداتها النفطية عبر موسكو. وقد أصيب الأوروبيون بحالة من القلق عندما استعملت موسكو سياسة قطع إمدادات الغاز ضد أوكرانيا وجورجيا وروسيا البيضاء في العامين الأخيرين للتأثير في مواقف هذه الدول.
وفي إطار حرب الطاقة يحاول الغرب تشليح موسكو بعض أوراقها عبر دعم مد أنابيب لنقل الغاز من دول الاتحاد السوفييتي السابق عبر بحر قزوين وذلك لإسقاط ورقة التأثير الروسي في هذا المجال من خلال عزل روسيا عن غاز بحر قزوين.
وقد حصل نشاطان مهمان في هذا المجال يدلان على حرب الطاقة القائمة أولهما إعلان كراكوف الذي ضم بولندا وليتوانيا وجورجيا وأوكرانيا واذربيجان والذي يهدف إلى مد أنبوب نقل الغاز عبر بحر قزوين للالتفاف حول دور موسكو.
الحدث الثاني قيام الرئيس الروسي بزيارة إلى كازاخستان وتركمانستان لإبقاء طرق نقل النفط و الغاز عبر روسيا والوعد بمساعدة هاتين الدولتين. حرب طريق الأنابيب هي حرب بناء النفوذ المستقبلي بين روسيا والغرب في ما كان مجال نفوذها الآسيوي الأساسي خلال الحرب الباردة.
ثم هنالك أيضا قضية حقوق الإنسان التي يرفعها الغرب بشكل كبير ومتكرر دعما للمعارضين وتحت عنوان تعزيز العملية الديمقراطية في روسيا فيما يرد الروس على هذه الحملة بعنوان الديمقراطية السيادية عبر استنهاض ناجح للمشاعر الوطنية التاريخية والعميقة في روسيا ضد التدخل الغربي.
هل نحن أمام حرب باردة جديدة تتكون عناصرها ولو انها قد تكون مختلفة عن الحرب الباردة السابقة من حيث غياب الاصطفاف الإيديولوجي والاستراتيجي الحازم بين معسكرين واضحين. سؤال يطرح نفسه في ظل ما يسميه كيسنجر بالالتباس الذي يطبع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والذي هو وراء هذه التوترات الحاصلة.
عنصران أساسيان يدفعان نحو إحياء مناخات الحرب الباردة وخلق مستوى معين من التوتر في العلاقات الروسية الغربية أولهما نهاية حالة الأحادية القطبية التي طبعت السياسة الدولية منذ نهاية الحرب الباردة وبروز القوة ألفائقة الأميركية بسبب الارتباك والفشل والتراجع .
وهي العناصر التي تتسم بها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بشكل خاص ولكن أيضا بدرجات وأشكال مختلفة في علاقاتها الدولية والإقليمية الأخرى سواء في آسيا او إفريقيا، في أميركيا اللاتينية وحتى في إطار العلاقات الأطلسية مع أوروبا.
سقوط «اللحظة الأحادية» أحدث فراغا وسمح او شجع الحراك الدولي الحاصل. العامل الثاني وهو أيضا متداخل ومتفاعل مع الأول يتعلق بتكرس بروز أقطاب دولية جديدة مثل الصين الشعبية وروسيا الاتحادية وبروز أقطاب أيضا إقليمية ذات وزن دولي مثل الهند والبرازيل واليابان مع المحاولات المتكررة لأوروبا للتحول من قطب اقتصادي دولي إلى قطب سياسي دولي أيضاً.
في ظل ازدياد التنافس على المكانة وعلى الدور وعلى الموقع ولو ان كل قطب يتميز عن غيره في مجال أساسي من القوة فإن الوضع الدولي الذي يعيش نهاية الأحادية القطبية بعد نهاية الثنائية القطبية يبدو انه يتجه إلى نظام تعددي الأقطاب ذات طبيعة معقدة ومتشابكة دون ان يعني ذلك بالضرورة ان هنالك تساويا في مختلف عناصر القوة بين مختلف هذه الأقطاب. انها لحظة انعدام التوازن الدولي وصراع المكانة ولعبة تعزيز الأوراق الأساسية في تنافس القوى بين أقطاب دولية متراجعة وراجعة ومتجددة وجديدة.
كاتب لبناني