لم يسبق ان واجه الوضع الفلسطيني ما يواجهه اليوم من تحديات، كماً ونوعاً. في السابق كان يُستهدف بصورة مباشرة وفي جبهة واحدة؛ في الداخل، أو في الخارج. اليوم هو مستهدف في الاثنين. من جهة لتأليبه على حاله. ومن جهة أخرى لجرّه إلى الاشتباك مع جيش بلد شقيق؛ في آن. وفي الحالتين يجري صبّ الزيت على النار.

إسرائيل تتولى هذه المهمة في غزة. و«فتح الإسلام» ينهض بها في مخيم نهر البارد اللبناني، للفلسطينيين. تل أبيب تسعى جاهدة لتفجير الاقتتال بين «فتح» و«حماس». وفي «البارد» يجري التصعيد في سياق توريط الفلسطينيين في مواجهة مع اللبنانيين، أو دفعهم إلى حرب فصائل في مخيمات لبنان. تزامن جهنمي أفرزته الظروف، من غير موعد.

وحدها المناعة الفلسطينية الذاتية، الضمانة لتحاشي الوقوع في الفخّين. حتى اللحظة، لا تزال هذه الحصانة صامدة. الوعي بالمخاطر الراهنة واكلافها، حفظ الساحة الفلسطينية من الانزلاق إلى مثل هذه المهالك. لكن هذه الحصانة قد تتآكل، اذا بقيت الخلافات تنحت في جسمها، خاصة وان محاولات التوريط جارية بمزيد من التزخيم. في القطاع يترجم العدو الإسرائيلي تهديداته وإصراره على المضي في سياسة المطاردة والاغتيال. هدّد القيادات وبعث برسائل نارية مباشرة.

في الأيام الأخيرة بلغ ما تحصده عملياته الجوية من العناصر الفلسطينية، أرقاماً تشير إلى عزمه على المضي في التصعيد والتأزيم. ضاعف هذا العدو غاراته وهي موجهة ضد فصيل واحد ـ «حماس» ـ بهدف توسيع شقة خلافه مع «فتح»؛ من خلال مراكمة الشكوك وبالتالي التنافر والتباعد؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من رفع منسوب التوتر والاحتقان بينهما.

في مخيم نهر البارد يستبد التعقيد بالوضع. المحاولات التي جرت لم تقوَ حتى على فتح كوّة في جدار الأزمة. وقف إطلاق النار يتواصل بصورة متقطعة وغير مستقرة. الحديث عن الحسم يتزايد.التوافق اللبناني ـ الفلسطيني قائم، منذ البداية، حول رفض ما قام به «فتح الإسلام»، كما حول ضرورة إنهاء هذا الوضع الشاذ.

المفقود هو الإجماع حول صيغة معينة للخروج من المشكلة، المفتوحة على احتمالات خطيرة جمّة وفي هذا المجال بدأت تظهر بوادر خلاف داخل القوى الفلسطينية في لبنان، حول كيفية التعاطي مع الوضع في مخيم البارد. ومثل ذلك مؤشر مقلق. ذلك أنه من دون إجماع فلسطيني حول هذا الأمر، فان أية مواجهة بين الجيش اللبناني وبين من في المخيم ـ مع ما قد يؤدي إليه ذلك من أذى وأخطار على سكانه من اللاجئين ـ من شأنه ان يفتح المجال لأزمة لبنانية ـ فلسطينية لا يعرف أحد إلى أين يمكن ان تقود.

المدخل لإحباط واستباق هذه المخاطر، في غزة كما في «البارد»، يكمن في التوافق الفلسطيني. طالما بقي هذا الأخير مفقوداً، طالما بقي التلاعب بالساحة الفلسطينية قائما وبوتيرة متصاعدة لحين تفجيرها من الداخل. سحب هذه الورقة، مفتاحه بيد القوى الفاعلة فوقها. ولا يكون ذلك ويتحقق إلا من خلال العمل بتغليب الأولويات في اللحظة الراهنة: تجاوز الأزمة السياسية في الداخل وتوفير الإجماع على معالجة «نهر البارد» وبأسرع ما يمكن. فالمناعة الفلسطينية علي المحك وهي آخر ورقة باليد.